فواز بن فواز العاسمي فواز بن فواز العاسمي

نهنهـات الشـيح.. ديالكتيك الألم والرفض

ـ 1 ـ

«كل مديح لأي مبدع يقدمه قارئ ما أو ناقد ما ولا يستحق عمله الإبداعي ذلك، يتحول إلى هجاء للقارئ الذي لم يقرأ بشكل جيد أو للناقد الذي لا يحكم بشكل منصف أو موضوعي»!!!

لا هروب أبتغيه من قول الرأي ولا اقتحام عدواني أرتضيه.. إنما أقدم أمنية بحضور متواضع وبشكل خاص بعد قراءتي لمجموعة الصديق «وفيق أسعد» القصصية بعنوان (نهنهات الشيح)..

استوقفني هذا العنوان الملفت والمختار لمنتج بالبعد القصي في البيداء... إذاً هو بري تماماً كأنه تهيؤات لتأوهات عراء حزن القيصوم... وأقول تصريحاً وليس تلميحاً بأن كل قارئ أو مشاهد أو مستمع لأي نوع من أنواع الفنون يجب أن يعلم أن هدف هذه الفنون القصدي تهذيب تعاملنا مع اللغة البارعة بألق وإشراق بلاغة صورها ومعانيها التي تهذب وتهندس أذواقنا، وترميم ما يتلفه الابتذال من شوق الإنسان فينا للوصول إلى الكمال، وتنوير عقولنا وتوسيع آفاق أفكارنا لنقوم بالتغيير..

حسناً هو الذهاب حلماً وخيالاً واحتمالاً إلى القارئ أو المتلقي لأسئلة مطروحة عليه، كي يتمكن على ضوء خلفيته الثقافية من محاكمة انطباعاته وإبراز المفارقات العفوية أو القصدية في التعامل مع النوع والكم وبيان التوجه.!

 

ـ 2 ـ

بقدر معرفتي العادية، لا يستثنى أي عمل مهما علا شأنه من اقتراح رأي... وإنني حقاً أحاول أن أرى نصف الكأس المملوء.. وهنا أقول إني أصدق «نهنهات الشيح» «بأن الكلاب الرابضة خلف الدار ما تزال وفية لنباحها»، كذلك حين تقول «يستيقظ عرب الكهف وكلبهم فلا يجدون أحداً في الأرض، يحتفلون بانتصارهم.. يغطون من جديد في نوم عميق. وكان.. ياما.. كان».. أما قصة «البغل»، فهي حقاً قصة السيد الملتزم الذي مثل دور المناضل بمسلسل «حمام القيشاني» وعاد إلى التزامه بعد أن تم إخصاؤه.. لكن كل شيء يمكن أن يشبه به الإنسان مجازاً إلا «البغل»، لأنه يعمل مثل أكثر الحيوانات، لكنه للأسف عقيم ولا شيء بالكون عقيم مثل هذا الكائن ولكننا نظلمه إذا شبهناه ببعضٍ... مجازاً لأنهم أصبحوا أشد بغلنة من كل البغال العقيمين.

ربما وجدت بعض العزاء، رغم حدة لغتك وثقل مبناها على رقة معناها وقساوة كدرها على الظل الخفيف لاستنادها البديع على ظلال أثرها، بما جاء في: «المختار ينبح على الرجال.. الرجال ينبحون على زوجاتهم.. الزوجة تنبح الابن، الابن ينبح على الأخت، الأخت تنبح على العاشق، العاشق ينبع على القمر، القمر ينبح عليك، وأنت تخاف عدوى النباح..» /ص 27/. نعم بتنا نخشى هذا النباح وكلام الحمقى الهراء.. فهل نذهب إلى جحيمنا مادامت الينابيع قد بدأت بالجفاف؟ وهل نبدل كوننا ما دام قد عم الفساد الرجيم؟ نعم لم نعد نحتمل هذا النباح.. تقول: «ترسم بيوتاً جذورها عميقاً تمتد في الأرض، بيوتاً مداخنها مطفأة تعلوها أعشاش مخربة.. بيوتاً بأبواب بلا مقابض وبلا مفاتيح. وجه أمك وجه أبيك وجه عدوك» /ص 31/. فهل نحن مواطنون أم سكان أجساد ترتحل إلى آلامها قلوب تذوب بأوهامها؟ أم نحن أطياف تعبر هذا الوجود كأحذية الحمقى تروح وتجيء أمام أبوابنا.. تنتظر لحظة الفراغ حتى تقتلعنا من جذورنا أعقاب أحذية الجنود.. تم تقول.. «لا يا ابني الوطن ليس قطعة قماش ملونة ولا قطعة أرض يحدها بحر أو جبل.. الوطن ليس حدوداً، الوطن يا ابني.. بيت .. خبز.. كرامة.. فرح..» /ص 33/. من لا وطن حقيقياً له، لا حياة ولاعشق له.. القرى جذور منخورة، المدن مسافرة إلى مجهولها. ثم تعود لتؤكد بصدق «لماذا يربط العلم؟ منعاً من أن يطير، خوفاً من أن يهرب بلا جواز سفر أو يحط على الأرض».. إنه استشهاد مفعم بدقة الحساسبية لمن يريد أن يعرف معنى هذا الرمز العظيم عند كل الأمم والشعوب».. ثم تقول «المدينة أحصنة أكلت قوائمها تضرب الأرض بحافرك تحمحم تطلق عنان صهيلك».. نحتاج إلى علم يرفعه الأبناء ولا ينكسه الجبناء.. «الجبال ما هي إلا أحجار صغيرة أحبتنا ذات يوم وكبرت بفعل خيانتنا لها».. هكذا بشفافية تؤنسن الأحجار «يصنع لك مدينة من ورد ويصلبك على أبوابها رمزاً للطهر والعفة»..

 

-3-

وفيق أسعد بوح وانفجار بلغة الأدب ومعاني الشعر، لكن مأساة مفرداتك جور قسوتها على المسامع المرهفة، وصدمتها لمن لا حياة لهم.. مفردات كأنها البقع الصغيرة السوداء فوق طهر بياض هذا المضمون الذي يهزنا.. يزلزلنا.. صرخة قهر تتحدى الإرادات الجائرة التي لا تحجب الفرح عن أرواحنا فقط، بل تذرينا بعد أن ننطفئ ونصبح رماداً.. أما نحن فما زلنا نرى «الجبل الأخضر تلألأ.. والجنود أطفالاً والعتاد دمى والبحر ساقية تقطر دماً».. إن بعض اكتشافاتك ليست دقيقة مع أنك تقوض بإصرار، باسلاً وشجاعاً، كل خيبات الآمال، وترسي ركائز مضمون لغتك فوق صخر الصمود.. لغة هي حقاً نسيجها الحي مادية هيجل.. وديالكتيك ماركس... وتاريخ والدك.

 

 

 شكراً وفيق أسعد..

آخر تعديل على الخميس, 28 تموز/يوليو 2016 10:38