وكالة «عذراء»..!

لي صديق ينحدر من مدينة المالكية شمال شرق سورية، ويقطن في اللاذقية منذ أكثر من عشرين عاماً. ظفر بفرصة عمل في دولة الإمارات العربية المتحدة. فاغتنمها وقرر السفر إليها سريعاً بعد أن قام بتكليفي على عجل بتأجير بيته خلال فترة غيابه بموجب وكالة نظامية موثقة لدى الكاتب بالعدل. على أن أقوم بتصديقها من وزارة الداخلية لكي تكون منتجة. 

 

قلت في نفسي طالما أن الرجل وثق بي دون خلق الله وكلّفني بإدارة شؤونه المالية، فيجب عليّ المسارعة بإنجاز المهمة لأتمكّن من تأجير بيته بأسرع وقت فيحقق بذلك أكبر ربح. سافرتُ إلى دمشق وأجريت المعاملة في وزارة الداخلية. بعد أن استلم الموظف ملفّ المعاملة تطلّع صوبي مبتسماً وقال: «انتهت مهمتك، الله معك». قلت له وأنا بحالٍ من الرضى: «يعني صار بإمكاني تأجير الشقة؟» غابت بسمته فجأةً وحدجني بنظرة ثاقبة وأجاب: «لا.. سوف نقوم بدراسة أمنية ويأتيك الجواب من شعبة الأمن السياسي في محافظتك». سألته وقد ارتسمت على وجهي قسمات الحيرة: «وهل ستطول فترة الدراسة؟» أجاب بلا مبالاة بعد فاصل من الصمت وهو يقلّب بعض الأوراق بين يديه: «والله أنت وحظك؛ شهر، شهران، ثلاثة.. يعني هكذا». 

سرت في جسمي موجة من القلق وقفلتُ عائداً مسربلاً بالخيبة..

بعد حوالي أربعة أشهر وبينما كنت في مقرّ عملي بالشركة التي أعمل لديها، دخل شابٌّ يسأل عني وسرعان ما عرّف عن نفسه قائلاً: «أنا من شعبة الأمن السياسي وأودّ الدردشة معك على فنجان قهوة لخمس دقائق». بعد أن ازدردتُ لعابي قلت في نفسي أن يدردش معي بضيافتي، خيرٌ من أدردش معه بضيافته. سؤاله الأول كان: «أنت وكيل بتأجير شقة يملكها صديقك، أليس كذلك؟» أجبته: نعم!. أضاف سائلاً: « ولماذا اختارك من بين جميع معارفه لتوكيلك بهذه المهمة؟» أجبته بثقة: «نحن أصدقاء منذ أكثر من عشرين عاماً وهو بمثابة الأخ لي..» وانهمرت بعدها على رأسي أسئلته التفصيلية. قلت له مختصراً: «يا عزيزي، بحكم انتمائي ونشاطي السياسي المعارض تاريخياً للنظام فإنّ ملفّاً طويلاً عريضاً عن سيرتي موجود ليس لديكم فحسب، بل لدى كافة الأجهزة الأمنية، وأعتقد أنه من المضيعة للوقت توجيه هذه الأسئلة..» استعصى عليه الاستطراد فابتسم وتهيّأ للانصراف. استوقفته متلهفاً وسألته بصوتٍ متشكك: «عفواً، هل بات بمقدوري تأجير الشقة؟» هزّ رأسه محتجّاً وقال بنبرة معاتبة: «طوّل بالك، على مهلك، طبعاً يمكنك ذلك، ولكن بعد انتهاء الدراسة الأمنية!»  

بعد حوالي الشهرين وعند منتصف الليل رنّ جرس هاتفي. هرعتُ إليه متوجّساً وقد هرب الدّم من وجهي؛ إذ إن الهواتف والطرقات على الباب ليلاً تذكّرني بـ «زوّار الفجر» وتسبّب لي الفزع مذ أن انخرطت بالعمل السياسي. كان على الطرف الآخر من الخط صوتٌ بعيد. عرّف عن نفسه بأنه شقيق صديقي الموكّل من مدينة المالكية. نبرة الخوف كانت بادية بوضوح في كلماته المتلعثمة. أخبرني بارتباك أن عناصر من الأمن زاروا أهله في القرية وأمطروهم بالأسئلة عني وعن شقيقه! هدّأتُ من روعه وأفهمته بأنه إجراء روتيني يتعلق باستكمال الدراسة الأمنية من أجل السماح لي بتأجير شقة أخيه.

ومضت الأيام، وجاء الصيف. اتصل بي صديقي من الإمارات يخبرني أنه قادم إلى سورية بعد أسبوع. وطلب مني برجاء أن أخلي الشقة من المستأجر لأنه سوف يقضي إجازته في اللاذقية. 

ضحكتُ مقهقهاً وأخبرته بأن الشقة لم تُستأجر بعد، وسردتُ له الأسباب.

بعد ثلاثة أيام يدقّ باب مكتبي في الشركة عنصر من الأمن السياسي يسأل عني. استقبلته معرّفاً عن نفسي. أضاءت وجهه بسمة نصر، وقال لي متحمّساً: «مبروك أستاذ، أصبح بوسعك تأجير الشقة وها هي الموافقة». ومدّ يده حاملاً مغلّفاً وطلب مني التوقيع على سجلّ ذمّة.

شكرته على سرعتهم الفلكية في إجراء الدراسة الأمنية، وأوضحتُ له عدم حاجتي للموافقة، لأن صديقي سيصل إلى اللاذقية بعد أيّام. لكنه أصرّ على تسليمي الموافقة. جاملته وطلبت منه الجلوس والدردشة على فنجان قهوة. استجاب قائلاً بلهجة مازحة: «أنتم السياسيون تخشون كثيراً من هذه العبارة، مع أننا وليشهد الله نصدق في وعدنا للضيف أحياناً..».