نور أبوفرّاج نور أبوفرّاج

ما بين الصمت والكلام

عندما يكون الواقع شديد الواقعية وفي الوقت ذاته قادراً على أن يفوق الخيال  – كما هي الحال اليوم-  كثيراً ما يصبح تدوينه أو محاولة تتبعه ووصفه ضرباً من التكرار الممل وغير المجدي،

ماذا يضيف وصف احمرار دم  الشهداء ؟ فالدم أحمر في كل الحالات .. ربما يترك دم الشهداء المزيد من الألم في نفوس الآخرينَ الأحياء لأنه دفع ثمناً لقناعات ومطالب أو أخذ ظلماً، إلا أن وصفه لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً!

ربما يحاول المرء تجسيد صورة الشوارع المقفرة بعد أن خاف الناس المشي والحياة، قد يستعير مصطلح «مدينة الأشباح» من  قنوات التلفاز.. إلا أن فراغ الشارع ووحشته سيبقى أبلغ من أي وصفٍ يبتدعه

أو أن يرسم آخر صوراً لطوابير الخبز و الغاز والمازوت، ويكون ماهراً في التقاط تفاصيلٍ من حياة الناس وألمهم.. كما لو أنه يتحايل على حقيقة وقوفه فعلياً في الطابور، يتحايل على الانتظار بأخذه صفة المراقب، كما لو أنه داخل الطابور وخارجه في الوقت ذاته.

في بلادٍ قلبت رأساً على عقب، وتسارعت فيها الأحداث والوقائع استطاع إنتاج الكلام والصور أن يسبق غيره من الصناعات والمهن، مستغلاً بذلك توافر مادة أولية لا تنضب، وإمكانية تجاوز عوائق انقطاع الكهرباء، وأزمة المواصلات والقيود على سهولة الحركة والاستيراد والتصدير ..

تضج البلاد بأصوات المتكلمين : امرأة تحدث جارتها بما علمته من أقربائها في مدنٍ أخرى، ناشط سياسي يقدم تقريراً مغرقاً بالوصف والمشاعر ومُقلّاً بالمعلومات! مسؤول سياسي يقدم المزيد من الوعود ويكيل المزيد من الشتائم .. كلام تتناقله الشفاه أو يكتب عبارات قصيرة على صفحات الفيسبوك، يهمس به أو يقال هتافاً.. كلامٌ يُنظم شعراً أو يتحول مقالاً ، أو يقص حكاية .. 

 تكون الكتابة ويكون الكلام أحياناً محاولة لإعادة الفهم، التروي في التفاصيل، ويكون في أحيانٍ أخرى حاجة للبوح بشيء ما حتى ولو كان الجميع يعلمه! يكون تارةً محاولةً لتجاوز مشاعر الذنب والعجز أو رغبةً بالانتقام من الواقع لمنعه من أن ينجو بفعلته ظاناً أن أحداً لم يره!

إلا أن الحقيقة أن الواقع اليوم، كثيراً ما يترك الناس فارغي الأفواه، يسلبهم القدرة على النطق أو حتى الرغبة في ذلك! بينما قد يستمر صوتٌ صارخاً في أعماقهم :»لست بحاجة لأن تقول شيئاً الآن، أو أن تصدر تصريحاً! يكفي أن تنظر حولك وتترك لعينك مهمة التوثيق .. يكفي أن تعيش بكل ما أوتيت من قوة .. أن تعيش كل شعورٍ .. أن تعيش وتعيش فقط، صامتاً أو متكلماً .. فالكلام يدل على أنك ما تزال على قيد الحياة والصمت كذلك،  إذا ما كان خيار الأحياء..