_

يا أخــي الســــــــــــوري

جبران خليل جبران

أنت أخي لأنك سوري والبلاد التي لفظتك كلمة في مسامع الأبدية قد همستني كلمة أخرى .

أنت أخي لأن البلاد التي حبلت بك والفضاء الذي حمل أول صرخة تمخضت بها أحشائي. أنت أخي لأنك مرآتي فكلما نظرت إلى وجهك رأيت ذاتي بكل ما في ذاتي من العزم والضعف ومن الائتلاف والتشويش ومن الهجوع واليقظة .

أنت أخي لأني ما فكرت بأمر إلا ورأيت عناصره تتموج في فكرتك وما سعيت إلى أمر إلا ورأيتك سائرا إليه وما تقاعدت عن أمر إلا لأنك منصرف عنه.

أنت أخي بيسوع ومحمد .

أنت أخي بكوارث خمسين قرنا .

أنت أخي بالقيود التي جرها آباؤنا وأجدادنا .

أنت أخي بالنير الثقيل الذي أثقل عاتقنا .

أنت أخي بالألم والدموع ومن تجمعهم نكبات الدهور وأفراحها .

أنت أخي أمام قبور ماضينا وأمام مذبح مستقبلنا 

يا أخي السوري.. بالأمس وقد كان الضباب يغمر وجداني كنت ألومك وأعنفك، واليوم وقد بددت الريح ذاك الضباب علمت أنني لم ألم سوى ذاتي ولم أعنف غير نفسي. فما استهجنته بالأمس بك أراه اليوم بي.

وما كرهته في أخلاقك قد ألفته معانقاً أخلاقي .

وما حاولت اقتلاعه من روحك وجدت عرقه متمسكا بروحي .

نحن متساويان في كل ما جلبته الحياة إلى ماضينا وكل ما ستجلبه إلى حاضرنا.

نحن متساويان في كل ما آل إلى شقائنا وما يؤول إلى سعادتنا .

نحن متساويان وما الفرق بيننا سوى أنك كنت هادئا ساكنا متجلدا أمام مصابك بينما أنا كنت أصرخ متسرعا وأصيح قانطا في مصابي .

الآن قد عرفتك وعرفت ذاتي، صرت إن رأيت عيبا فيك أنظر إلى نفسي فأرى العيب فيها.

يا أخي السوري.. أنت مصلوب ولكن على صدري والمسامير التي تثقب كفيك وقدميك تخترق حجاب قلبي .

وغدا إذا مر عابر طريق بهذه الجلجلة لا يميز بين قطرات دمك وقطرات دمي بل يسير في طريقه قائلا: ها هنا صلب رجل واحد.