منمنمات سورية إسراء الذكريات.. ومعراج الروح!؟

في دمشق، تسلم قدميك للطريق، فتتيه في شوارعها، وتطلق لروحك العنان، فتسرح بلا ضفاف، ويصبح الزمن بلا حدود، مجرد لحظات من الولادة إلى الوجود.. إلى أن تتوقف في مقهى أو مطعم شعبي لعلها تستكين. 

 

 

معاناة شديدة وظروف قاسية نعيشها يومياً، مع ذلك تتأجج الروح وتفيض، فما أن تمشي بضعة أمتار حتى تقرع أذنيك أحاديث وعبارات وكلمات، لا تملك إلاّ أن تبتسم وتلتفت نحو مصدرها، فتشعر بالحنين والشوق المغلف بالحزن والألم. يقفز قلبك أحياناً بفرح، وتشدك الرغبة والفضول لتجد من يشبهك يمشي أو يجلس جنبك، وأحياناً تصيبك الدهشة لتجد أنه أحد معارفك أو أقربائك أو أصدقائك..

ذكريات متعددة تتداعى عن زملاء وزميلات الدراسة، ورفاق الطفولة وخدمة العلم، أو بعض من تعرفت عليهم صدفة، خلال سفر أو لقاء عابر.. وتتداعى معها معلومات وأسماء مدن وقرى بعضها عرفتها سابقاً، وبعضها تعرفت عليها حديثاً.

إسراء من الشرق

 إلى الغرب!

وأنت تنحدِرُ من حي ركن الدين الشعبي، الذي أصبح سكانه مزيجاً يعبر بشكل مصغر عن سورية في مكوناته، تخترق أذنيك عبارة(لا.. لو) فتعرف أن صاحبها من الجزيرة السورية أياً كان قائلها، كردي أو عربي، كلداني أو سرياني.. وعندما تقترب من شارع العابد، وتسمع كلمة(شكون)المختصرة- عن أي شيء يكون- بالقرب من مقهى الروضة، تحلق بك الذاكرة فوراً إلى دير الزور و(تختصر) مشاهد عديدة كخرير مياه نهر الفرات، الجسر المعلق.. تستمع لأصوات مميزة في الغناء الفراتي.  

تتابع الذاكرة إسراءها ومسيرها العشوائي لتتوقف في استراحة مؤقتة في رقة هارون الرشيد عند قصر البنات، أو سدّ الفرات الذي ساعد في بنائه السوفييت آنذاك، وتقف على أطلال (قلعة جعبر)، وعندما تصعد برجها تبدو لك البحيرة، فتذكرك بشواطئ الساحل السوري، يعاودك الابتسام وتدندن دون أن تنتبه (وقفلي خليني بوس شبابيك الحلوة بطرطوس..) وقد يبرز أمامك المسرحي سعدالله ونوس صارخاً: الفيل يا ملك الزمان. وكأنّ نبوءته بكسر حاجز الخوف بدأت تتحقق، كما تبدو لك (مصابيح حنا مينا الزرق) من (اللاذقية)، فتضيع ذكرياتك بين زرقتها وزرقة البحر المتوسط، ولكنك تجدها عند بانياس حيث مسقط رأس عز الدين القسام.

معراج من الشمال

 إلى الجنوب!

في طريقك، قد تسمع عبارة ( أهلين روحي) فتظن أنك في ساحة باب الفرج في حلب، وتلوح لك قلعتها من خلف الدخان كما تراها هذه الأيام على شاشات التلفاز. أما إذا سمعت (يا يوب) فترحل ذاكرتك فوراً إلى (إدلب) ومعرة النعمان، تتذوق طعم حلاوة الشعيبيات ويكاد لعابك يسيل، وتعرج الذاكرة إلى (عفرين) وزيت الزيتون الطيب وأكلة مجدرة.. وتتابع سيرك وتنظر حولك خشية أن يظن من حولك أنك مجنون وأنت تكلم نفسك..وتبتسم. 

ربما ترتطم بأحدهم فتعتذر منه، وعندما يرد عليك بابتسامة: (شُو اعلاي) قد ترى فيه حمص، وتشتاق نفسك لقطعة من الحلاوة الحمصية، وتتذكر أنك ذقتها يوماً قرب الساعة أو في شارع الدبلان، وربما يخطر في بالك تساؤل خبيث: هل اليوم هو الأربعاء؟ تتذكر بعض النكث التي كان يتبادلها زملاؤك الحماصنة والحَميّة في الخيمة ليلاً، أثناء معسكرات التدريب الجامعي، والحلويات والبوظة الحَميّة، وتدور الذاكرة مع (نواعير حماة) وعنينها الذي يشبه عنينك اليوم، وتتابع تداعيها إلى السلمية وقلعة شيزر ويمتد بصرك منها إلى البادية وقطعانها، ويحملك موال (شروقي) من راعٍ إلى تدمر وقد عادت لها الحياة بعد استعادتها، تتعالى الأصوات فتعيدها ذاكرتك لحناً سيمفونياً!

قبل أن تخرج من الصالحية يشدك مبنى البرلمان على الجهة اليمنى فتطالعك وجوه شهداء حاميته التي دافعت عنه أيام المستعمر الفرنسي، ومنهم الرفيق طيب شربك، وعندما تصل إلى ساحة (يوسف العظمة) حيث يقف تمثاله شامخاً رغم سيفه المُغمد ورغم أنفِ البعض، والذي ما زال الفرنسيون يخفون مكان دفنه! تتجه يساراً حيث سوق ساروجة والبيوت الشامية في دمشق القديمة، والتي يفوح منها عبق الياسمين والنارنج ويصادفك بائع تماري على دراجته وتهتز طرباً مع صنجات بائع العرقسوس وندائه، وترى رجلاً شواربه مشرئبة إلى الأعلى في شموخ، يرحب بحرارةٍ بآخر وهما يجلسان في المقهى ويقول له وكأنه في داره: (عليم الله شرفت)، فتعرف أنه من (السويداء) من الجبل الأشم، ويبدو أمامك خيال سلطان الأطرش قائد الثورة السورية بحطاطته البيضاء، وترفع بصرك أعلى من قاسيون لتلوح لك أيضاً عمامة الثلج البيضاء على (جبل الشيخ) في الجولان الحبيب المحتل وتتساءل: متى ستعود إلى الوطن؟ ها هي عبارة الدين لله والوطن للجميع التي قالها سلطان ورددها الثوار هنانو وصالح العلي ورمضان شلاش وأحمد مريود وأدهم خنجر والشيخ الأشمر وترجع صداها الجدران القديمة والسهول والجبال السورية. 

تجول في العقل كلمات كثيرة فتهرب منها وتغذ السير باتجاه سوق الحميدية حيث يشتد الزحام.. ورغم الضجيج تسمع كلمة (بَقُلّك) وتلتفت لترى أمّاً من سهل حوران بشِرْشِها المطرز كشرشف قصب.. وتقفز الذاكرة فوراً إلى الصف الأول الابتدائي، حيث كنا نردد جملةً من درس حرف الراء في كتاب  القراءة (سافر قطار درعا) لتنتهي هذه الرحلة على إيقاع مِدقات البوظة اليدوية في محل بكداش، علّها تبرّدُ شيئاً من سعير الروح والذكريات التي ما زالت وستبقى حيّة..!

هذه هي دمشق وهذه هي سورية، رغم الوجع الذي يعصرنا، تجدها الآن في كل مدينة وحيّ وشارع منها، أنّى سرت وأنّى اتجهت، هي جنّة. جنتنا، فيها الحور العين، وفيها فاكهة الحياة من كل الألوان ومما نشتهي، هي لوحة فسيفساء ملونة، وحضارة وتاريخ. وستبقى هذه المنمنمات والروح الحميمية تسري فيها، ومعذرةً من نزار قباني

أنا (السـوري) لو شرّحتم جســــدي   لســال منه عناقـــيدٌ وتُفّــــــــــاح

آخر تعديل على الثلاثاء, 17 أيار 2016 16:56