محطة «العربي»تستخدم فلسطين طعماً!

محطة «العربي»تستخدم فلسطين طعماً!

«ليلى خالد كانت أول امرأة في التاريخ تختطف طائرة، أما الفدائية دلال المغربي فنفذت مع رفاق لها عملية فدائية جريئة على شاطئ تل أبيب. ليلى ودلال ليستا سوى نموذج عن المرأة الفلسطينية التي كتب عليها المقاومة..»

 تأتي المقدمة السابقة بصوت نسائي مميز على خلفية صور أرشيفية من النضال الفلسطيني لتفتح قابلية المشاهد العربي ليتناول ما تبقى من «الوجبة الدسمة» ضمن تقرير «فتيات الكوماندوز» (4:40 دقيقة) عن حرس الرئاسة الفلسطينية النسائي، والذي عرض يوم 10\2 على قناة العربي التي يديرها إسلام لطفي ويشرف عليها عزمي بشارة والممولة قطرياً وتبث من لندن.


لا تنتهي الدقيقة الأولى من التقرير، حتى يتبين للمشاهد أنّ ليلى ودلال ليستا إلّا طعماً يقدمه معد التقرير لنبتلع سنارته! ففي الثانية العشرين من التقرير تتابع قارئته: «كتب عليها (المرأة الفلسطينية) المقاومة والانخراط بالعمل الفدائي، منذ تقسيم فلسطين ولاحقاً بعد احتلال ما تبقى منها» بما يعني أن الاحتلال هو لما «تبقى منها» وليس لها كلّها.. أي أن التقسيم أمر سيء ولكنه أمر واقع والاحتلال تالٍ عليه، وهذا الطرح ليس جديداً في الساحة الفلسطينية، بل ويمكن القول أنّه أحد الطروحات التي بنيت عليها سلطة أوسلو نفسها.
بعد ذلك يبدأ الجزء البائس من التقرير بعد عرض عنوانه ملء الشاشة: «فتيات الكوماندوز».. يتابع الصوت: «هذه المرأة تقف اليوم أمام مهمة خاصة، أن تكون في الحرس الرئاسي، عملٌ يتطلب الحذر والمراقبة الثاقبة، ملكات ومهارات تزرع في العسكرية منذ الدروس الأولى..» وابتداء من هذه اللحظة يتحول التقرير إلى «نصير للمرأة وقضيتها» وقدرتها على مكافأة الرجال.. وإلخ وهنا لا تغدو قضية المرأة الفلسطينية هي فلسطين بل هي قضية المرأة.. وحملها للسلاح أو التدريبات العسكرية القاسية التي تخضع لها وتتجاوزها، ليس حملاً لسلاح المقاومة وليس تدريباً بغرض المقاومة، بل هُما السلاح والعمل العسكري بوصفهما فعلين لا يحق للرجال احتكارهما، فالمرأة قادرة أيضاً!
هذه القفزة باتجاه التجرد عن القضية الفلسطينية نفسها وعن شرايينها وجوهرها، وباتجاه «قضية المرأة»، هي للحقيقة قفزة مبررة، فهل يجرؤ التلفزيون العربي على تسمية السلطة الفلسطينية بسلطة المقاومة مثلاً؟ ذلك لن يكون مهنياً أبداً لأنّه سينفر المشاهد من الطعم وسنارته وصاحبهما أشد النفور.
ولكن لا مانع من إعادة ربط ما انقطع على لسان «خولة الفهد، ضابط جهاز حرس الرئاسة الفلسطيني» إذ تقول لكاميرا التقرير: «جذورنا التاريخية بترتبط بالمقاومة وإحنا كشعب فلسطيني مزروع فينا هاد الشي» ويتابع التقرير عبر جمل منتقاة على ألسنة مجموعة من عناصر الحرس الرئاسي النسائية، ليتحدثن عن طبيعة مهامهن ومن ثم عن طموحاتهن وسبب اختيارهن هذه المهنة الصعبة وإلخ.. يمضي التقرير قدماً على خلفية مشاهد من تدريبات الكوماندوز النسائي وصوت المعلق يضيف: «حافزهن إثبات القدرة وإثبات حق المساواة، والمجتمع الفلسطيني اليوم أعطى لهن هذه الفرصة» وبذلك تغدو السلطة الفلسطينية هي المجتمع الفلسطيني، والمجتمع هو السلطة، وهذه الأخيرة ليست المقاومة فقط بل وهي راعية المرأة وحقوقها أيضاً.. القناة التي تقول ذلك هي ذاتها التي عمّدت انطلاقتها بتاريخ 25 يناير تاريخ الثورة في مصر، وقدمت نفسها من هذا الباب، فهي ضد الأنظمة المستبدة ومع الشعوب المظلومة، وهي بتمويلها القطري ليست بديلاً عن «العربية» أو «الجزيرة» ولكن كما يقول إسلام لطفي: «يسعدنا بالطبع أن يُذكر اسمنا إلى جانب قنوات كبيرة كالجزيرة والعربية»
ينتهي التقرير بشهادة مديح مكثفة لجهاز الحرس ككل ولقياداته التي «بنت شخصياتنا وطلاقتنا بالحديث» وذلك على لسان خولة الفهد.
يقدم هذا التقرير نموذجاً فاقعاً على ما يمكن تسميته «الليبرالية الجديدة في الإعلام» حيث يجري الانطلاق من الرموز لتحطيمها ومن القضايا الإنسانوية العامة (المرأة، الطفل، المعاقين، الأقليات.. إلخ) وصولاً إلى تسطيح هذه القضايا واستخدامها أردأ استخدام للهجوم على قضايا الشعوب الأكثر أساسية.. بالمحصلة فإنّ «العربي الجديد» كمشروع متكامل تموله قطر ويصدّر في واجهته عزمي بشارة وآخرون، هو في العمق ذلك العربي الخليجي القديم (السلطات طبعاً)، وقد بليت أدواته النفطية والأخلاقية جميعها..

آخر تعديل على السبت, 27 شباط/فبراير 2016 13:07