بالزاوية : حصار الانتظار

بالزاوية : حصار الانتظار

للانتظار ألوان مختلفة، أثقلها على النفس ما قد يدوم حتى يستطيل إلى طريق بلا نهاية، ثم يستحيل إلى لون أشد ظلمة وسواداً، لا يتذكر فيه الإنسان ما كان ينتظر أصلاً، والقواعد هنا محددة: في الانتظار لا أحد يعمل شيئاً! !

فهذا الانتظار الأجوف هو وجه الهزيمة التي لا بد من إعلانها باستمرار!
لا يمكن إمساك الأفكار والمشاعر التي ترافق هذا الانتظار المرضي، كما لا يمكن تذكرها أو استعادتها لاحقاً، مشاعر متداخلة كتداخلات الحمى، وظلال سميكة تغلف العالم الخارجي. الحال هنا أشبه ما يكون بانتحال شخصية الميت، والفعل محايد وفاقد للحرارة، لا ذاكرة عن الماضي، ولا مكان للدفاع عن النفس، ولا للهجوم على عدو حاضراً أو مستقبلاً! لا نبرة الصوت ولا تقاطيع الوجه ولا حركة العيون الفارغة يمكن أن توصل رسالة مفهومة أو تسأل حاجة ضرورية، هنا تفقد كل القيم وكل قواعد المنطق معانيها وتأثيرها!
هذا النوع من الانتظار المرضي هو ما يعيره الفنانون اهتمامهم عادة، فيرى بعضهم أن هذه الصورة السلبية والعدمية يمكن أن تصدم وعي الإنسان عسى أن يستيقظ ويعي كم هو مهزوم وفارغ في وحدته وكسله! وفي فعل معاكس يسعى فن آخر إلى تكريس تلك الصورة نفسها، ولكن كخيار وحيد، وهزيمة مؤكدة لإنسان العصر! ومع أن الحياة تزخر بألوان انتظار زاهية ومنتجة، إلا أن هذه الصورة هي ما تبدو أكثر إغراء في عالم الفن، تستحوذ على صفحات الأدب وأعمال المسرح والسينما.
والمفارقة هنا، أن هذا الاستثمار في (الانتظار)، قد انتقلت عدواه من أهل الفن إلى بعض أهل السياسة في بلادنا، فطرفا الأزمة المتشددان ما برحا يعالجان الشعب السوري بالدواء ذاته: الانتظار! هذا بدعوى حسمه العسكري المستحيل وذاك (بانتظار) أعجوبة تغير موازين القوى العالمية والداخلية، أما الشعب المطحون بين حجري الرحى فما عليه إلا الركون ولعق جراحه بانتظارهما! المؤكد اليوم أن السوريين قد سئموا هذا الانتظار الأجوف وهم مدعوون قريباً لإسقاطه كأي حصار آخر، بأيديهم وانطلاقاً من أنفسهم أولاً