دراما الأزمة.. دراما الواقع؟!

دراما الأزمة.. دراما الواقع؟!

صيف رمضان كان حاراً بالفعل، فقد حملت طقوسه الدرامية هذه السنة الشيء الكثير، وتناقل المتابعون مصطلح «دراما الأزمة» لوصف بعض الأعمال التي حاولت التقرب من واقع الجمهور السوري المنهك، اقتربت من البعض لكنها نالت نصيبها من غضب البعض الآخر

، لكن الأغلبية تكاد تجزم  بأنها حصدت شيئا ً من المصداقية والواقعية بتصويرها ولأول مرة واقع الانقسام السوري في مشاهدها لتبدأ إثارة الزوابع الإعلامية بعد الانتهاء من عرضها.

والسؤال هنا: «هل استطاعت الدراما السورية تمثيل الواقع بصدق وأمانة هذه المرة؟».
حققت الدراما السورية بخصوصيتها الاجتماعية ومحاولتها الاقتراب من الهم اليومي، نقلة نوعية في السنوات الأخيرة، لم تكن لتحققها بغير ذاك التوجه، وقامت أعمال سابقة في العقد الأخير من عمر الدراما السورية بتسليط الأضواء على الجوانب المنسية في حياة شريحة واسعة من السوريين المهمَلين في بحور العشوائيات، والضائعين في رياح الإهمال والفساد، كمسلسل «الانتظار» عام 2006 الذي نزل إلى قاع المدينة وصور حياة سكان العشوائيات الفقراء وأسلوب حياتهم وتفكيرهم، وبعض همومهم ومشاكلهم، عبر حبكة درامية متقنة، وطاقم ممثلين يمكن القول عنه إنه كان نخبة النخبة، ويمكن القول بأن هواجس ذلك النوع من الطرح الدرامي تنبأت بكل أمانة بحالات الهيجان الشعبي اللاحق والمرافق لأيام الحراك السوري الأولى ضد سياسات الإهمال والتقصير.
تجدر الإشارة هنا إلى أعمال أخرى، ادعت التمثيل الأمين لواقع وماضي الثقافة الشعبية السورية، واحتلت أيضاً، في السنوات الماضية، حصة واسعة من ساعات العرض الرمضاني، كسلاسل الأعمال الدرامية «الشامية» ومثيلاتها من أعمال «شامية» الظاهر.. «عثمانية» الباطن، والتي أسهمت في تشويه صورة مراحل تاريخية مهمة في عمر دمشق العريق، وحصرت نتاجها الفكري والثقافي برواسب الفكر المتخلف المنغلق اجتماعياَ وأساطير البطولات الفارغة لـ«عكيد الحارة» تحت رعاية وبركة «الباب العالي»، متجاهلة المراحل التنويرية الرائدة لنخبة من مفكري الشام في تلك الفترة، أدباً وشعراً وعلماً وسياسة، لا يزال يذكرها كثيرون من شُياب تلك الأيام ومعمروها، ويندرج تحت الإطار نفسه، مجموعة أعمال سطحية بلا طعم ولا لون ولا رائحة، اعتمدت فقط على الثياب الأنيقة والسيارات الفارهة لشبان وشابات جميلات، لا يملكون الحد الأدنى من الموهبة ودون أي مادة درامية حقيقية تستحق المتابعة، أو حتى التعليق.
أما هذه السنة، فالجديد واضح بلا شك، إذ انعكست الأزمة السورية على الحركة الدرامية باعتبارها المنتوج الثقافي الأكثر شعبية، وشهدنا أعمالا مثل: «منبر الموتى – سنعود بعد قليل – حدث في دمشق» وغيرها، رفعت السقف المعتاد إلى مستويات لم نعهدها، وأباحت الكلام في محظورات أمنية واجتماعية – اقتصادية، بقيت لفترة طويلة عصية على الخدش، «لكنها أيضاً لم تفعل سوى الخدش»، كما يقول البعض، فالمؤسسة الإعلامية مازالت تخضع لتمويل ورقابة حكومية، لا تملك أي مخزون ثقافي يفتح مجالاً للحوار وإبداء الآراء.
وقد رأى معظم القائمين على العملية الإنتاجية والمستفيدين منها، الفرصة سانحة الآن للحصول على الضجة اللازمة لتسويق مثل تلك الأعمال، عن طريق تصوير وجهات النظر المتصارعة بشكل مجرد، وبعيد عن أي نقاش للحل يقرب وجهات النظر بين الأفرقاء، والاعتماد على انقسام الشارع حولها، كما انقسم حول غيرها من الأمور، فتم بيع تلك الأعمال لقنوات عربية أعملت بها مقصها الخاص لتسويق وجهة نظر متطرفة ومتشددة، ولقنوات محلية أعملت بها ذات المقص لدوافع مضادة.
تخطت الدراما السورية لهذا العام توقعات خصومها وأصدقائها، وكان لها نصيب من متابعة جماهيرية رغم كل ما عصف ويعصف بالبلاد، علل البعض تدني المستوى الفني بحالة الحرب التي تعيشها البلاد معتبرين أن إنجاز أي عمل مهما قلّ مستواه هو عمل عظيم بحد ذاته، وقد يكون هذا صحيحاً إلى حد ما، لكن ذلك لا يعفيها من التعامل الجدي مع الواقع السوري دون تزلف أو استعراض، فمقاربتها للمواطن السوري العادي مهما كان انتماؤه، ومعالجة الهموم اليومية الظاهرة على هامش النزاع في سورية، والتركيز على المستفيد الحقيقي من حالة الانقسام تلك في مشاهدها الدرامية بصدق وأمانة كفيل بتحقيق شعبية ومتابعة من الجميع مهما عظمت خلافاتهم.

آخر تعديل على الإثنين, 19 آب/أغسطس 2013 10:45