رمضان 2024: الحد الأدنى للأجور لا يكفي لتأمين فطور العائلة ليومين!

رمضان 2024: الحد الأدنى للأجور لا يكفي لتأمين فطور العائلة ليومين!

شهدت سورية تغيرات معيشية واقتصادية كبيرة بين رمضان 2023 ورمضان 2024، حيث عانى الوضع المعيشي تدهوراً ملحوظاً بسبب الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية، إضافة إلى تراجع القوة الشرائية لليرة السورية ومنظومة الأجور في البلاد.

لا بد من التذكير بأن هذا التدهور ليس بجديد، ففي شهر رمضان 2023، كانت الأوضاع المعيشية قد شهدت بالفعل تدهوراً ملحوظاً، حيث تضاعفت تكاليف المعيشة والمواد الغذائية بشكل كبير. على سبيل المثال، تشير بعض التقارير إلى أن الرقم القياسي العام لأسعار سلع المستهلك قد ارتفع بنحو 6 أضعاف، أما الأسعار الغذائية، فارتفعت بنحو 6.7 ضعفاً خلال الفترة من 2019 حتى منتصف 2022​​. وبحلول بداية عام 2023، وصل وسطي تكاليف معيشة الأسرة السورية إلى نحو 4 ملايين ليرة سورية، مقارنة بـ2 مليون ليرة في بداية عام 2022، ما يعني زيادة تقارب 98% خلال عام واحد​​.
ومع «الزيادة» الخلبية في الأجور، والتي كان يفترض أن تكون إجراءً لمواجهة الغلاء، وجد السوريون أجورهم تتقلّص فعلياً بحكم الارتفاع الهائل لأسعار السلع في السوق. فما كان يشتريه الأجر من سلع في رمضان 2023، لم يعد قادراً على شرائه اليوم في ظل ارتفاع التضخم على مستوى البلاد.

1064c

الأرقام تفصح عن حجم تراجع القدرة الشرائية

لنقدّر حجم التراجع الحقيقي في القدرة الشرائية للأجر السوري، يمكننا أن نقارن أسعار بعض السلع الأساسية في السوق خلال الأيام العشرة السابقة لشهر رمضان.
وعلى هذا النحو، ارتفع سعر كيلو البطاطا من 2,500 ليرة سورية في 2023، إلى 8,000 في 2024، والبندورة من 2,500 إلى 8,000، والكوسا من 4,500 إلى 14,000، والبرغل من 8,000 إلى 10,000، والأرز المصري من 8,500 إلى 17,000، والبصل من 6,000 إلى 8,500، والتمر (نوع متوسط) من 22,000 إلى 45,000، والفروج الحي من 18,000 إلى 40,000، وصحن البيض من 23,000 إلى 40,000، ولحم العجل من 59,000 إلى 170,000، ولحم الغنم من 80,000 إلى 250,000.
إذا افترضنا كل ما سبق من مواد استهلاكية بوصفها «سلة واحدة»، فإن سعرها الإجمالي ارتفع من 242,000 ليرة سورية إلى 610,500 ليرة، أي أنها ارتفعت بنحو 152.2%. وهذا كله قبل وصول شهر رمضان الذي يشهد في كل عام ارتفاعات بنسب أعلى بكثير، ومثال على ذلك ما صرّحت به الجمعية الحرفية لصناعة الخبز والمعجنات في دمشق التي «رجحّت» إقرار أسعار جديدة في شهر رمضان ليصبح سعر كيلو غرام الخبز السياحي 13.5 ألف ليرة سورية، والصمون 17 ألفاً، والكعك السادة 25 ألفاً، والكعك بالسمسم 32 ألفاً، والخبز السكري 12 ألف ليرة.

1064d

4.5 مليون ليرة سورية تكلفة فطور العائلة شهرياً

بالنظر إلى الدراسة التي أجراها أستاذ كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، د. سامر مصطفى، مؤخراً، والتي أكد فيها أن «تكلفة وجبة الإفطار خلال شهر رمضان لعائلة مكونة من 5 أشخاص هي بين 200 حتى 300 ألف ليرة سورية، وذلك بالحد الأدنى»، وكذلك تقديرات أستاذ كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، د. محمد كوسا، الذي أكد أن «تكلفة وجبة إفطار لخمسة أشخاص حالياً سوف تكلف بالحد الأدنى 150 ألف ليرة سورية، بالقياس لمعدلات الزيادة على أسعار مكوناتها منذ بداية العام 2023 حتى اليوم»، وإذا اعتمدنا التقدير الأكثر تواضعاً، وهو 150 ألف ليرة، يتبين أن تكلفة إفطار العائلة المكونة من 5 أشخاص على مدار شهر رمضان هي 4,500,000 ليرة سورية (وهو - بالمناسبة - رقم متطابق إلى حد بعيد مع تقديرات مؤشر قاسيون للحد الأدنى لتكاليف غذاء الأسرة شهرياً، والبالغ في بداية العام 4,520,858 ليرة).
بهذا، نستنتج أن الحد الأدنى الرسمي للأجور في سورية، والبالغ 278,910 ليرة سورية، لا يغطي سوى 6.1% من تكلفة إفطار العائلة المكونة من 5 أشخاص على مدار شهر رمضان. وبافتراض وجود فردين عاملين في الأسرة، فإن النسبة لا تتعدى 12.3%. وعلى ذلك، فإن الحد الأدنى الرسمي للأجور لا يكفي لتأمين إفطار العائلة ليومين (1.8)، أما بوجود فردين عاملين في الأسرة، فإنه لا يكفي لتأمين إفطار العائلة لأربعة أيام (3.7)، أما الأيام الـ26 الأخرى، فيجب على الأسرة أن تبحث عن مصادر دخل أخرى لتأمين كلفتها.

1064a

الجوع السوري ليس مبالغة..

منذ عدة سنوات، صرح مسؤول حكومي بأن الجوع ليس قضية في سورية و«ليس هنالك أحد جائع» مما أثار استياء الشعب السوري آنذاك. وقتها، كانت كل الدلائل توحي بتراجع الحالة الاقتصادية، بما في ذلك ضعف القوة الشرائية للسكان الذين كانوا عاجزين في مواجهة الارتفاع المستمر في الأسعار.
حالياً، بعد عدة سنوات فقط، تعاني الدولة من انهيار اقتصادي شامل، بدءاً من انخفاض قيمة العملة الوطنية إلى توقف شبه كامل للنشاط الإنتاجي، مع ابتعاد أصحاب القرار الفعليين عن اتخاذ أي إجراءات لتخفيف الأزمة التي تفاقمت لدى الشعب السوري الذي يواجه الآن خطر الجوع بشكل فاقع، نتيجة للانسحاب الكبير للدولة من الإنفاق على الدعم الاجتماعي الذي يعتبر أساسياً للبقاء في ظل منظومة الأجور المجحفة.

1064b

السبب واضح... ويعرفه السوريون جميعهم

منذ سنواتٍ عدة، تم تصنيف الوضع الغذائي في سورية كأزمة غذائية على مستوى العالم. الآن، ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة لعام 2023، هنالك ملايين السوريين الذي لا يعانون من الجوع، فحسب، بل من الجوع الفاقع والمستمر. فماذا فعلت السياسات الاقتصادية للتعامل مع هذه الأزمة؟
هل اتخذت أية إجراءات لخفض أسعار الغذاء؟ لا... الغذاء ما زال مرتبطاً بالاستيراد والدولار. وبدلاً من ذلك، تم تقليل كمية الغذاء المدعوم، واعتماد خطة تقشف لتوزيع كميات أقل من الغذاء على الأسر.
هذا كله لأن الغذاء المستورد أصبح مادة للربح الكبير، وأسعاره تتجاوز الأسعار العالمية بنسب كبيرة. وهذه الزيادات لا تنبع من تكاليف العقوبات فقط، كما يحاول بعض الرسميين أن يبرروا، إذ يكفي أن نلقي نظرة على أسعار الأغذية في الدول المعاقبة مثلنا لنكتشف حجم النهب الذي نتعرض له بسبب الفساد الكبير. كما أنها لا تنبع من ارتفاع سعر الدولار، حيث بات الجميع يدرك أن الأسعار المحلية تتجاوز تقلبات أسعار الدولار في السوق.
السبب الحقيقي، هو أن أصحاب القرار الفعلي في البلاد منحازون بشكلٍ حاسم ضد مصلحة الناس.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1164