الحصار مقابل المقاومة الاقتصادية.. دروس من التجربة الكوبية 2/2

الحصار مقابل المقاومة الاقتصادية.. دروس من التجربة الكوبية 2/2

في العدد الماضي من قاسيون، تحدثنا عن الخطوات الأولى التي اتخذتها كوبا، بوصفها الدولة التي تعرضت لأطول وأقسى عقوبات وحظر اقتصادي في العالم، من أجل ضمان الاستمرار في عالم كانت فيه السطوة الأمريكية والهيمنة الغربية في أوجها. وفردنا مساحة للحديث عن الاخفاقات التي رافقت هذه الخطوات الأولى. في هذا العدد، نستكمل حديثنا حول السياسة التي اتبعتها كوبا منذ ما بعد الحرب الباردة إلى اليوم، للإشارة إلى المروحة الواسعة من الإجراءات التي تستطيع الدول أن تقوم بها رغم تعرضها للعقوبات الاقتصادية.

عندما انتهت الحرب الباردة، وجدت كوبا نفسها فجأة معزولة، وحاولت الولايات المتحدة الاستفادة من الوضع بفرض عقوباتٍ جديدة. لكن الحكومة الكوبية تمكنت في نهاية المطاف من الهروب من الطريق المسدود، من خلال إعادة التفكير في بعض القضايا الاقتصادية، وحققت نجاحاً ملفتاً، ولا سيما في البدايات.

السلبيات والإيجابيات للتكيف الكوبي السريع اقتصادياً

تكيفت كوبا - بسرعة كبيرة ربما - مع البيئة الجديدة. قالت الحكومة نعم للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وأقرت بالعمل الحر، وأنشأت سوقاً للنقد الأجنبي، واستثمرت في السياحة، وأعطت الضوء الأخضر لتغييرات شاملة استهدفت «تحسين البيئة الاستثمارية الكوبية». وسرعان ما أثبتت مجموعة الإجراءات هذه أنها ضارة للغاية: حيث أدت «الإصلاحات» المالية إلى مضاربة جماعية، وأدت تدفقات السياح غير المنضبطة إلى زيادات في الأسعار، وأدى ارتفاع كمية العملات الأجنبية المتداولة إلى تغذية الفساد. استغرق الأمر سنوات للحد من دولرة الاقتصاد، وإعادة تأكيد سيطرة الدولة على الأعمال التجارية الخاصة والسوق المالية وإيقاف ثقافة الرشوة التي تنامت بسرعة.
الدرس المستفاد هنا هو أنه في حين أنه من الصحيح أنه لا يمكن أن تكون مقاومة اقتصادية بدون قدرة عالية على المرونة والتكيف، يجب ألا يكون هذا التكيف متسرعاً. ويجب على صناع القرار التصرف ببصيرة وتبني عقلية لاعب الشطرنج، أي أنه يجب عليهم دائما التفكير فيما سيأتي بعد ذلك.
في الواقع، لم تستفد كوبا من الشراكة الاستراتيجية الموقعة مع دول جديدة بالشكل الأمثل، وتحديداً مع الصين وفنزويلا، فخلال أوائل عام 2000. استوردت كوبا التكنولوجيا والمعدات من الصين، والنفط من فنزويلا، وصدرت النيكل وسلع أخرى إلى كليهما، وتلقت مساعدات من كليهما، لكنها لم تستثمر العائدات في تنمية الاكتفاء الذاتي. وبدأت السلطات الكوبية تتحدث عن إحلال الواردات في وقتٍ متأخر نسبياً.
على أي حال، هناك شيء يمكن تعلمه من هذه الفترة. واحدة من الحقائق الأكثر إثارة للاهتمام في التعاون الكوبي الفنزويلي خلال عهد تشافيز هي اتفاق مؤرخ في عام 2000، والذي بموجبه كان على فنزويلا تصدير 53,000 برميل نفط يومياً بأسعار تنافسية مقابل 20,000-30,000 طبيب ومعلم كوبي.

1133-3

تجربة الزراعة الحضرية:
نموذج براق

لدى اقتصاد المقاومة الكوبي دروس يعلمها للمراقبين الخارجيين: اضطرت كوبا إلى مواجهة نقص شبه كامل في المعدات والوقود في حقبة ما بعد الحرب الباردة، التي كانت على وشك إثارة مجاعة في جميع أنحاء البلاد، وأجرت عصفاً ذهنياً لمعالجة مسألة الأمن الغذائي.
اعتادت البلاد على استيراد الوقود والأسمدة وقطع الغيار وغيرها من التقنيات المتعلقة بالزراعة من الكتلة التي يقودها الاتحاد السوفيتي، لكنها الآن لم تعد قادرة على الاعتماد على تلك البلدان.
كما يقول المثل: الجوع يشحذ الإبداع، وكانت كوبا جائعة حرفياً. وجد صانعو القرار الحل لمشاكلهم في تجربة رائدة للزراعة الحضرية، أدت إلى بناء مزارع صغيرة وشبه عامة في الهواء الطلق في عدد من المدن، بما في ذلك هافانا، على خلفية انتشار مراكز البحث والتطوير للأسمدة الحيوية والمبيدات والبذور.
بحلول عام 2003، كان لدى كوبا 35,000 فدان من المزارع الحضرية تنتج 3.4 مليون طن من الغذاء، وتوظف 200,000 شخص وقادرة على تقليل استهلاك الوقود والأسمدة الكيماوية والمبيدات الاصطناعية، على التوالي، بنسبة 50% و10% و5% مقارنة بعشر سنوات سابقة. بحلول عام 2012، كان لدى هافانا وحدها أكثر من 100,000 فدان من المزارع الحضرية.
اليوم، تعمل أكثر من 300,000 مزرعة حضرية وحدائق طعام في كوبا، حيث تنتشر على أكثر من مليون هكتار. المزارع الحضرية وحدائق الطعام قادرة على تلبية أكثر من 50% من الطلب المحلي على الفواكه والخضروات الطازجة (الذروة هي 90% في هافانا). وأكثر من ذلك، ثمة حوالي 100 مركز علمي مرتبط بالجامعات لدعم تجربة الزراعة الحضرية بأبحاثها حول استغلال التربة، وتآكل التربة، والأسمدة الحيوية.

معجزة الرعاية الصحية..
نعم المقاومة ممكنة!

لم تسلم الرعاية الصحية من الحصار الاقتصادي، وهو الأمر الذي جعل ثمة تهديداً وجودياً لكوبا، بالنظر إلى أن شركات الأدوية الأمريكية الكبرى تسيطر على حوالي 80% من السوق العالمية للأدوية وبراءات الاختراع الطبية.
من الناحية العملية، لا تستطيع كوبا شراء مجموعة واسعة من الأدوية والمعدات المتخصصة، ابتداءً من المجاهر الجراحية إلى أدوية علاج السرطان وغيرها، وأولئك الذين ينتهكون الحصار، سيواجهون غرامات باهظة، حتى عندما يتصرفون بموجب تفويض من المنظمات الإنسانية.
لم يكن أمام كوبا خيار سوى الاستثمار في ما يمكن أن نسميه «سيادة الرعاية الصحية»، وهو مصطلح أصبح العالم يعرفه مع تفشي جائحة كوفيد 19. حيث أدت حملة الاستثمار المستمرة في «سيادة الرعاية الصحية» إلى نتائج مذهلة، والتي تبدو أكثر استثنائية إذا ما قورنت بالولايات المتحدة:

كان متوسط العمر المتوقع عند الولادة في كوبا 62 عاماً في عام 1959، لكنه ارتفع بشكل مطرد منذ ذلك الحين، حيث لحق بالولايات المتحدة في عام 2020، وتجاوزها في عام 2021 ليصبح 78.9 سنة مقابل 76.1 في الولايات المتحدة.

بلغ معدل وفيات الأطفال في كوبا 47.3 حالة وفاة لكل 1000 مولود حي في عام 1969، وانخفض إلى 4.1 حالة وفاة لكل 1000 مولود حي في عام 2022. في الولايات المتحدة، انخفضت الوفيات لكل 1000 مولود حي من 21.4 إلى 5.5 خلال نفس الفترة.

يوجد في كوبا 8.2 طبيب لكل 1000 شخص. يوجد في الولايات المتحدة 2.5 طبيب لكل 1000 شخص.

إن المقارنة بين تحسن الرعاية الصحية في كوبا وتراجع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة هي أفضل طريقة لفهم أهمية ما فعلته كوبا، حيث قدمت برهاناً على ما يمكن أن تفعله البلدان الفقيرة بالموارد ولكن الغنية بالأدمغة.
إن معجزة الرعاية الصحية في كوبا هي نتيجة لعقود من الاستثمارات في تصنيع الأدوية منخفضة التكلفة والتدريب المهني و «الرعاية الصحية في الأحياء»، والتي تبلغ قيمتها في المتوسط 11% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي.
يمكن للمواطنين الحصول على العلاجات واللقاحات مجاناً، لأن نظام الرعاية الصحية عالمي، ويتم تعيين طبيب أسرة لهم. يطلب من المواطنين إجراء فحص واحد على الأقل سنوياً، وينقسمون إلى «فئات خطر» على أساس الأمراض وأنماط الحياة غير الصحية. إن دورية الفحوصات، التي يتم تقييمها وفقاً لفئة المخاطر، تعني أن عدداً قليلاً من المواطنين يعانون من أمراض غير مشخصة.
كما أن الجامعات مجانية لجميع المواطنين، حيث تغطي الدولة الرسوم الدراسية وتكلفة المواد الدراسية. والأكثر من ذلك، اعتادت الجامعات على اللجوء إلى دعوات التسجيل الموجهة لتلبية الاحتياجات الوطنية المحددة. على سبيل المثال، بحثت الجامعات بشكل رئيسي عن الفنيين المحتملين خلال ستينيات القرن العشرين، لكنها كانت تبحث عن أطباء محتملين منذ تسعينيات القرن العشرين.

1133

الطب والصحة:
«اقتصاد داخل اقتصاد»

تحرص الجامعات بشكل خاص على الحصول على طلاب الطب نظراً لحقيقة أن كوبا تمكنت من بناء اقتصاد كامل على تصدير العاملين في المجال الطبي على مر السنين. حيث الطلب على الأطباء الكوبيين مرتفع للغاية، ويتمتعون بسمعة ممتازة من حيث الكفاءة. حتى الدول الأوروبية بدأت تتطلب الخبرات الكوبية، كما فعلت إيطاليا خلال جائحة كوفيد 19.
أرقام هذا «الاقتصاد داخل الاقتصاد» تتحدث بصوت عال: 37,000 طبيب يتم «تصديرهم» في المتوسط سنوياً، مع استفادة أكثر من 70 دولة من خبراتهم، وحوالي 8 مليارات دولار ربما تكسبها كوبا سنوياً.

يشتهر الأطباء الكوبيون بكونهم مبتكرين ومعتادين على الحصول على نتائج كبيرة بموارد قليلة، حتى عندما يتعلق الأمر بالسرطان وفيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز. وترتبط سمعتهم القائمة على الحقائق ارتباطاً وثيقاً بالعقوبات الاقتصادية، التي تجبرهم على الإبداع، وعلاج الأمراض وسط ظروف قاسية، وتطوير نسخ محلية من الأدوية الأجنبية، وتصميم نسخ منخفضة التكلفة من التكنولوجيا والمعدات الأجنبية. ونتيجة لذلك، وبالإضافة إلى تصدير الأطباء، تبيع كوبا أيضاً الأدوية والتكنولوجيا الطبية المنخفضة التكلفة إلى دول الجنوب العالمي.

الاستنتاجات التي يمكن التوصل لها من الحالة الكوبية

كوبا مثال حي على المقاومة الاقتصادية. لم يشهد أي بلد مثل هذه الحرب الاقتصادية الواسعة والطويلة الأمد. ومما يزيد من تفردها أن كوبا لا تملك موارد طبيعية كبيرة وأنها أيضاً في موقع جغرافي غير موات، وهما عاملان يميزانها عن الكثير من الدول التي تعرضت للحظر الاقتصادي والعقوبات.
كان القرارات الاقتصادية الكوبية في بعض الأحيان قصيرة النظر وأحياناً أخرى بعيدة النظر. لكن كوبا حققت في نهاية المطاف نتائج ملحوظة في الأمن الغذائي والرعاية الصحية وفي القدرة على البقاء في عالم الهيمنة الأمريكية.
فوق ذلك، يمكن استنتاج أن المقاومة الاقتصادية لها علاقة كبيرة بعوامل غير اقتصادية:

الأيديولوجية: حيث جمعت الناس على المقاومة، ودفعت لابتكار الحلول والقتال حتى النفس الأخير.
يمكن التغلب على العقوبات وندرة الموارد في وجود الإبداع والابتكار - الأطباء الكوبيون أثبتوا أن معجزة الرعاية الصحية هي نتيجة لجهود إبداعية كبيرة.

لا يمكن أن تكون هنالك مقاومة اقتصادية دون نزاهة. يولي النظام الكوبي أهمية كبيرة للحوافز المعنوية. يحضر العمال والمديرون دورات مصمّمة لغرس القيم الغيرية، وتعزيز الانضباط في العمل، وتشجيع السلوك الموجه نحو الهدف. نتيجة لذلك، تتمتع المؤسسات بشعور قوي بالمسؤولية الاجتماعية وتقدم كل ما لديها عندما تشن الحكومة معارك الإنتاج ضد الغرب.

لا ضرورة للقلق إذا لم يكن هنالك دولارات: تثبت كوبا أنه لا توجد حاجة إلى التجارة بالدولار: فهنالك مقايضة، وهي ممارسة تم التقليل من شأنها إلى حد كبير سابقاً، ويمكن أن تسمح للبلدان بعقد صفقات سلع مقابل سلع، وحتى سلع مقابل خدمات، وكذلك سلع مقابل عملات محلية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1133
آخر تعديل على السبت, 06 كانون2/يناير 2024 21:07