الحصار مقابل المقاومة الاقتصادية .. دروس من التجربة الكوبية

الحصار مقابل المقاومة الاقتصادية .. دروس من التجربة الكوبية

مع ازدياد لجوء الولايات المتحدة والغرب عموماً إلى العقوبات الاقتصادية كسلاح في وجه من تريد، تحاول النخب الحاكمة في بعض الدول التي تعرضت للعقوبات الظهور بمظهر العاجز عن اتخاذ أي فعل من شأنه أن يخفف أثر هذه العقوبات وصولاً إلى إنهائه. فيما يلي، نستعرض التجربة الكوبية في التعامل مع العقوبات، مسلطين الضوء على جوانب الإخفاق والقصور وكذلك النجاح فيها.

تعود أصول أطول حظر اقتصادي وعقوبات في العالم إلى أوائل ستينيات القرن العشرين. حين كانت السلطة الحاكمة في كوبا بعد نظام باتيستا الدكتاتوري تتألف من قوى معادية للهيمنة الأمريكية بعمق، لكن قرار الحكومة الكوبية بالتحالف المعلن مع الاتحاد السوفيتي واحتضان الشيوعية كتوجه أيديولوجي معلن، لم يأتي صراحةً إلا بعد أحداث عامي 1961 و1962 (الغزو الفاشل لخليج الخنازير، وما سميّ بأزمة الصواريخ الكوبية).

البدايات الكوبية للتعامل مع «أكبر حصار»

في عام 1962، وصلت الضغوط الاقتصادية ضد كوبا حداً أطلق عليه خبير العلاقات الكوبية الأميركية، ويليام ليوغراندي، «نظام العقوبات الاقتصادية الأمريكية الأكثر شمولاً ضد أي بلد في العالم»، والذي يُعرف شعبياً باسم «el bloqueo - الحصار»، والذي يتكوَّن من تدابير عقابية تهدد أيّ نوع من التجارة والاستثمار في كوبا، مع قبول أشكال محدودة من «التعاون الإنمائي والمساعدات الإنسانية».

إلى جانب التجارة والاستثمارات، يفرض الحظر قيوداً على التحويلات المالية، ويحظر الوصول إلى مجموعة واسعة من البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات أمريكية الصنع، ويحول دون الوصول إلى الأدوية واللقاحات وتكنولوجيا الرعاية الصحية المصنوعة بتراخيص وبراءات اختراع أمريكية. وعلى خلفية العقوبات، من المعروف أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً على أي شخص يريد التجارة مع كوبا والاستثمار فيها، حتى في القطاعات غير الخاضعة للعقوبات.

كان تأثير الحصار آنذاك هائلاً: حيث كانت كوبا تعتمد بشكلٍ كبير على التبادلات التجارية مع الولايات المتحدة، والتي صدّرت إليها ما يصل إلى 80-85% مما تنتجه، واستوردت منها 60-70% مما تستهلكه.

بشكلٍ عام، تشير التقديرات إلى أن نظام العقوبات قد أضرّ فعلياً بالاقتصاد الكوبي بمقدار 750-975 مليار دولار على مدى ستين عاماً (1960-2020)، ولعب دوراً حاسماً في إبطاء تطور البلاد.

ورغم أن الضرر كان هائلاً، فإن الحظر والحصار والعقوبات لم تحقق أبداً الهدف السياسي المتمثل في تغيير النظام الكوبي. بل على العكس من ذلك، تمكّن الاقتصاديون في الحزب الشيوعي الكوبي من بناء نظام اقتصادي مقاوم جزئياً للعقوبات وقادر على ضمان مستويات معيشية مقبولة للكثيرين وتحقيق سلسلة من الأرقام القياسية المعترف بها دولياً.

1132

نتائج معقولة وناجحة للتجربة الأولى تؤسس لما بعد

تمكّنت كوبا من التكيف بسرعة مع البيئة التجارية الجديدة التي فرضتها الظروف. بحلول عام 1962، استوردت البلاد ما يقارب 80% من احتياجاتها من منظومة الدول الاشتراكية، وصدّرت كل إنتاجها الوطني تقريباً إليها.

ردّت الولايات المتحدة على التنويع الكوبي السريع بإقناع منظمة الدول الأمريكية بالانضمام إلى الحظر ضد كوبا، ما أدّى فعلياً إلى عزل الجزيرة عن الأمريكيتين بشكل شبه كامل. وبحلول عام 1968، بلغت قيمة الاستيراد والتصدير بين كوبا وباقي دول أمريكا اللاتينية مليون دولار فقط، بعدما كان 84 مليون دولار قبل عشر سنوات.

وكذلك تمكنت الولايات المتحدة من خفض التجارة بين كوبا وأوروبا الغربية من خلال منع التزود بالوقود وإيواء السفن وتغريم شركائها الذين لا يمتثلون للعقوبات بشدة - وهي ممارسة لا تزال حتى اليوم، (يتضح ذلك من الغرامة التي دفعها البنك التجاري الألماني - كومرتس بنك في عام 2017 والتي تبلغ قيمتها ملياري دولار لاتهامه بالتعامل مع إيران وكوبا).

عسكرة الاقتصاد الكوبي: حول جوانب الاخفاق والنجاح

كان رد فعل كوبا على توسيع نطاق العقوبات يستند أساساً إلى فكرة عسكرة الاقتصاد. حيث تم تلزيم العديد من القطاعات الاقتصادية للقوات المسلحة، وعلى اعتماد نموذج محدد من الاقتصاد الموجّه. لكن ذلك لم ينجح من التجربة الأولى، حيث لم يستطع تحقيق أهداف الإنتاج آنذاك.

فوق ذلك، وجدت كوبا نفسها - بعد وقتٍ قصير من اندلاع الحرب الاقتصادية- فقيرة بالكفاءات الضرورية، لأن الولايات المتحدة أقنعت الآلاف من العمال ذوي المهارات العالية بمغادرة الجزيرة سعياً وراء وظائف ذات أجور أفضل (لاحقاً تم استخدام الاستراتيجية ذاتها ضد تشيلي في عهد سلفادور أليندي). وحتى على المستوى الطبي، في عام 1961، كان لدى كوبا 3,000 طبيب فقط، بينما كانت تملك حوالي 6,000 قبل عامين فقط.

عالجت الحكومة الكوبية هذه المسألة من خلال إطلاق دعوة على مستوى البلاد للخبراء الطموحين وطلب الاستشارات الاقتصادية من اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي CEPAL ومن الكتلة التي يقودها الاتحاد السوفيتي. واتخذت مجموعة الاقتراحات شكلاً أطلق عليه اسم «نظام الموازنة»، وهو نموذج للإدارة الاقتصادية يقوم على استخدام تقنيات المحاسبة المتقدمة، والتنبؤ الرياضي، مع النظر إلى الدولة ومعاملتها على أنها مؤسسة عملاقة.

على هذا الأساس، حدّدت الحكومة الكوبية أهداف الإنتاج ومولته، وكان على المدراء إطلاع وزارة الصناعة على تقدم شركاتهم من خلال تحديثات نصف شهرية وربع سنوية، ويمكنهم الحصول على جوائز أو مواجهة عقوبات اعتماداً على ما إذا كانت الأهداف قد تحققت أم لا. أي أنه تم استخدام الاقتصاد السلوكي لمكافحة حالة «عدم الكفاءة» التي كانت تسم الاقتصاد سابقاً.

كانت النتائج متنوعة. في عام 1963، وبعد تجربة دامت عامين، نجحت كوبا في تنويع وارداتها وصادراتها، لكن كان هنالك الكثير من الأهداف، والقليل جداً من الموارد. وعليه، يعتبر الخبراء أن الإنجازات الأساسية للتجربة الكوبية بين عامي 1961 و1963 هي التنويع الناجح للشركاء التجاريين والبناء السريع لمصانع الأغذية.

الانتقال نحو التجربة الثانية.. ستة أعوام في معركة الإنتاج

جرت التجربة الثانية في سياق «نظام الموازنة» بين عامي 1964 و1970، حيث وضعت الحكومة بناء الصناعة الثقيلة الوطنية وتنويع الأعمال الزراعية كأولويات قصوى. ومعركة الإنتاج التي استمرت عامين بهدف إنتاج 10 ملايين طن من السكر انتهت قريباً من تحقيق الهدف، حيث نجحت كوبا بإنتاج 8 ملايين طن. وبحلول نهاية ستينيات القرن العشرين، كانت الحكومة قد أنهت حملة التأميم، وسرّعت توزيع الأراضي، واتخذت الخطوات الأولى نحو ما سمي لاحقاً بمعجزة الرعاية الصحية ومحو الأمية.
وقد أظهرت التجربة الثانية لكوبا أن «نظام الموازنة» قد انتهى وقته فعلياً، بعد أن استطاع مساعدة الاقتصاد الوطني على مواجهة السنوات الأولى من الحصار من خلال تعزيز الانضباط في العمل، وزيادة المقاومة الاقتصادية للشركات الصغيرة والمتوسطة، لكن قدرتها على تخصيص الموارد بكفاءة انخفضت مع نمو الاقتصاد بشكل أكثر تعقيداً. وهو ما أسس لانتقال البلاد نحو سياسة جديدة عملت على تكثيف الاكتفاء الذاتي وتأمين متطلباته.

1132-1

تنويع التجارة لا يعني شيء دون الاكتفاء الذاتي

كانت كوبا تعتمد في السابق اعتماداً كبيراً على الولايات المتحدة، التي كانت هي المصدر الرئيسي للاستثمارات في الاقتصاد الكوبي، ومما لا شك فيه أنها شريكها التجاري الرئيسي الأول. لكن الحصار غيّر كل شيء، ودفع كوبا نحو التفكير في الاستفادة القصوى من العلاقات مع الاتحاد السوفيتي.

لم يكن افتقار كوبا إلى المال مشكلة بالنسبة للاتحاد السوفييتي، الذي أعتمد أسلوب المقايضة القديم الذي اتضح أنه قابل للحياة فعلياً. حيث اعتادت كوبا على استبدال أهم منتجاتها، مثل السكر والنيكل، بالوقود والمعدات والتكنولوجيا.

وبحلول نهاية عام 1960، ذهب 80% من صادرات السكر في كوبا إلى منظومة الدول الاشتراكية. وبعد ذلك بعامين، نتيجة لأزمة الصواريخ وغزو خليج الخنازير، تم توسيع العلاقات بين كوبا والمعسكر الاشتراكي لتشمل السياحة والتدريب المهني والتعاون الإنساني وما إلى ذلك.

وفي حين أن القيادة السوفيتية لم تستطع آنذاك المساعدة كثيراً على صعيد قطاع السياحة الجماعية (لم يتجاوز عدد الوافدين السوفييت 30,000 سنوياً، وهو رقم أقل بكثير من الـ300,000 إلى 500,000 سائح من الولايات المتحدة كانوا في خمسينيات القرن العشرين)، إلا أن السوفييت ساعدوا بشكلٍ خلّاق على تحقيق التنويع الكامل لكوبا. وبحلول منتصف ثمانينيات القرن العشرين، كان لدى كوبا الكثير من التكنولوجيا والوقود السوفيتي الصنع لدرجة أنها بدأت في إعادة بيع الفائض إلى الدول المجاورة.

المساعدة موجوة.. لكن السؤال كيف تستفيد منها؟

يعتبر الكثير من الاقتصاديين الماركسيين الكوبيين أن كوبا أخطأت حين لم تستخدم التدفقات النقدية التي كانت تأتيها من الاتحاد السوفييتي بالشكل الأمثل: منحها الاتحاد السوفيتي وحده 300 مليون دولار سنوياً خلال ستينيات القرن العشرين، والتي أصبحت 600 مليون دولار سنوياً في العقد التالي. لكن هافانا قامت باستثمار المبلغ في عمليات تصنيع السلع الموجّهة للتصدير بدلاً من إحلال الواردات ذاتها.

نتيجة لذلك، ورغم المعونة والشروط التجارية المواتية والتنويع، لم تحرز كوبا تقدماً كبيراً نحو الاكتفاء الذاتي الجزئي، وظلّت تعتمد اعتماداً كبيراً على السلع الأجنبية بغض النظر عن مصدرها.

باختصار، أدركت كوبا أن فتح العلاقات مع الشرق لا يعني شيئاً إن لم يكن متوازياً مع جهدٍ الدؤوب لتحقيق الاكتفاء الذاتي.

الخطأ الثاني لكوبا هو أنها لم تتوقع باكراً التغيير القادم بالمعنى الدولي. حيث بدأ الاتحاد السوفيتي في خفض مساعدات التنمية منذ عام 1985، وبدأ دعم الأسعار بالانخفاض في نفس الفترة، وتم تخفيض المساعدات الاقتصادية بنسبة 45% بين عامي 1989 و1990.

كان بإمكان كوبا - وفقاً لبعض الاقتصاديين- أن تخفف من أثر الأزمة الاقتصادية التي أعقبت الحرب الباردة لو أنها استثمرت في إحلال الواردات، ولو أنها توقعت تفكك الكتلة التي يقودها الاتحاد السوفيتي، وبدأت في إعادة توجيه الاستيراد والتصدير نحو العالم الثالث. فعندما تفكك الاتحاد السوفييتي، شهدت كوبا أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها، إلى حد أطلق عليها فيدل كاسترو اسم «الفترة الخاصة في وقت السلم» للدلالة إلى أن أثرها يعادل أثر الحرب دون خوض حرب فعلية.

شهدت «الفترة الخاصة في وقت السلم» انخفاض الإنتاج الزراعي للجزيرة بنسبة 54%، وانخفاض الصادرات بنسبة 75%، وانخفاض الأجور الحقيقية بنسبة 25%، وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 36%. لهذا أطلقت الحكومة تحريراً جزئياً للاقتصاد. ومع ذلك، فإن وصفة الطوارئ هذه كان محكوم عليها بالفشل. وهي ما أسسّ فعلياً لانتقال كوبا نحو نموذج خلق نجاحات معترف بها عالمياً، سنتناول تفاصيله بالأرقام في مادة العدد القادم التي ستخصص للحديث عن السياسة الكوبية ما بعد الحرب الباردة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1132