أجور جهاز الدولة 15 ألف ليرة شهرياً لـ 3,6 مليون سوري!

أجور جهاز الدولة 15 ألف ليرة شهرياً لـ 3,6 مليون سوري!

الإحصائيات الحكومية بأرقامها الوسطية والتقريبية تقول: إن جهاز الدولة المدني في سورية، لا يزال يُشغّل ربع القوى العاملة المشتغلة في سورية... وهؤلاء الذين يديرون تحصيل جهاز الدولة لإيراداته من كافة جوانب إنتاجه وخدماته، الذين بعملهم قل أو كثر، يبقون له دوراً ما في الحياة الخدمية السورية، ولا يحصلون إلّا على جزء قليل جداً من إيراداته.

تقول المجموعة الإحصائية السورية، بأن عدد العاملين في جهاز الدولة المدني لا يزال يقارب: 920 ألف عامل في عام 2019... 55% منهم من الذكور، والباقي إناث، وهو رقم يشمل جميع العاملين، بمن فيهم المتعاقدون لفترات مؤقتة الذين ازداد تعدادهم خلال سنوات الأزمة.
920 ألف شخص تقريباً لا يزالون يرتبطون بدخلهم اليومي جزئياً بجهاز الدولة، وهؤلاء يحصلون من ساعات العمل الثماني التي يقضونها على 60 ألف ليرة وسطياً، لا أكثر ولا أقل. ويبحثون بطبيعة الحال عن مصادر دخل أخرى ضمن ساعات عملهم، أو خارجها بأعمال أخرى...
ما الذي تدفعه الدولة لقاء أعمال مئات الآلاف من السوريين المستمرين في الوظيفة الحكومية؟ المبلغ السنوي لا يتعدى 700 مليار ليرة سنوياً. رقم قليل أصبح يشكّل نسبة 8% من مجمل موازنة 2021 ولكنه يُعيل مئات آلاف الأسر.
إنّ هذه الشريحة وفق معدل الإعالة الاقتصادي التقريبي: من 1 إلى أربعة أشخاص، يفترض أن تغطي حوالي: 3,6 ملايين سوري. باعتبار أن كل مشتغل في سورية يقابله وسطياً أربعة أشخاص بحاجة للإعالة هم إمّا أطفال، أو طلاب، أو مدبرات منازل، أو كبار السن ليس لديهم رواتب تقاعدية، أو غير قادرين على العمل وإلخ...
ما يعني: أن الحصة الوسطية التي يقدمها جهاز الدولة لكل فرد من هذه الشريحة المعتمدة على رواتب هذا الجهاز تقارب 15 ألف ليرة شهرياً، أي: ما يعادل بيضتين يومياً للفرد من أسرة موظف الدولة، وفقط لا غير!

هل هؤلاء هم الفساد؟

إنّ هؤلاء المشتغلين مضطرون كما غيرهم من السوريين أن (يواكبوا) المنظومة ليستطيعوا الاستمرار على قيد الحياة، والمنظومة تعطيهم أجراً شرعياً بهذا المقدار فقط، بينما سعى الجزء الأكبر منهم للحصول على أجور خدمات جهاز الدولة من بقية المواطنين عبر منظومة (الرشوة) التي أخلاقياً لا تدين إلّا من يخصصون هذا المقدار من الأجر لمعيلي ملايين الأشخاص! فالتوافق الاجتماعي الضمني اقتضى عملياً أن ينفق الناس على خدمات جهاز الدولة، وتحديداً على أجور عماله، كي يستمر هؤلاء الموظفون بالقدوم إلى عملهم، وهذا طبعاً محصور بالدوائر الأساسية التي (توجد فيها حركة) بينما مئات آلاف العمال من جهاز الدولة يشتغلون بأماكن لا يمكن أن تصل إليها لا الرشوة، ولا عوائد الفساد الكبير!
أمّا (الهبشات الحقيقية) والفساد فعلياً من عمليات الاستيلاء على جهاز الدولة فهي ليست من حصة 920 ألف عامل! بل هي عملياً موزعة في دوائر نفوذ عالية وضيقة، وقد تصل بعض المنافع إلى شغيلتهم المقرّبين وفي قطاعات محددة. فعملياً لم يُثْرِ موظف دولة من رشاوى الـ 50 ليرة، أو حتى الـ 500! بل أثرى من يتداولون الإدارات في المواقع الحساسة، ليأخذوا حصتهم من فترة إقامتهم الإدارية التي منحهم إياهم أحد أزلام النفوذ الكبير الذي يعود (الموقع الإداري) له!

1007-i1

التربية تضم ثلث العاملين

عملياً الجزء الأكبر من المشتغلين في جهاز الدولة يشتغلون في مواضع لا يدور فيها مال كثير، وبالتالي لا يستطيع الشغيلة المنهكين أن (يسترزقوا منها). مثل: التعليم على سبيل المثال، فقطاع التربية يضم عملياً ثلث المشتغلين في جهاز الدولة، وأكثر من 313 ألف مدرس ومدرسة وموظف خدمي. يتبعه عملياً من حيث العدد قطاع الصحة بحوالي 85 ألف، ثم الزراعة بحوالي 70 ألف مشتغل، تعقبها الصناعة بشقيها التحويلي والاستخراجي، والتي تضم 68 ألف مشتغل تقريباً، بينما يتبع للداخلية حوالي 55 ألف عامل، وللموارد المائية أقل من 40 ألف، أما الكهرباء بكل مؤسساتها فتضم أقل من 35 ألف عامل.

الأهم، أن جهاز الدولة لم يعد يساهم بالتشغيل المباشر إلا بنسبة تقل عن الربع، فتعداد المشتغلين الإجمالي بحسب المجموعة الإحصائية لـ 2019 بلغ: 3,7 ملايين... وبطبيعة الحال المشتغلون أكثر من هذا مع قطاع الظل الذي يشتغل فيه سوريون كثر.
وربع عدد المشتغلين ليس نسبة قليلة قياساً بالتراجع الكبير في الدخل الفعلي لجهاز الدولة وقدراته التمويلية، ولكن النسبة القليلة هي لهذه المساهمة في مجمل الدخل السوري، فهي لا تصل إلى 6% منه. ورغم أن إيرادات جهاز الدولة التقديرية قد تقارب 6000 مليار ليرة، إلّا أنه لا يخصص للإنفاق على عماله الذين يديرون عملياً هذا الجهاز، ويحصّلون الإيرادات والدخل، ويبقون لجهاز الدولة دوراً ما إلّا ما نسبته: 11%، بينما تتوزع دخول أخرى أرباحاً للمشرفين على الإنفاق الكبير وفي القطاعات الرابحة، وعلى عمليات الشراء والاستيراد وغيرها للأساسيات.

موظفوا الجهاز المدني لجهاز الدولة لا يزالون يديرون هذا الجهاز بأقل مستوى من الدخل والأجور، ما يسمّونه البطالة المقنعة هو ما ينجم عملياً عن قلة الإنفاق والتشغيل، وهو ناجم أيضاً عن النتيجة الموضوعية لأجرٍ لا يكفي لتغطية غذاءٍ كافٍ لفرد واحد شهرياً، وهو يستطيع أن يُعيل أربعة أفراد بمقدار بيضتين يومياً فقط! ما يدفع هؤلاء العاملين للبحث عن مصادر أخرى. أما مجمل إيرادات جهاز الدولة التي يحصّلها هؤلاء العاملون فلا يعود إليهم منها إلّا 11% فقط! بينما تتوزع دخول أخرى على شبكات الفساد الكبير، والحلقة الضيقة لجزء كبير من المدراء في المستويات العليا.
زيادة الأجور في جهاز الدولة هي واحدة من محددات بقائه قيد العمل، لأن من يشتغلون به هم معلمون وممرضون وأطباء وفنيون في الصناعة والزراعة وشغيلة في قطاع الخدمات، وهؤلاء يحاولون بأقل قدر من الدخل أن يديروا ما تبقى من إنفاق جهاز الدولة الخدمي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1007
آخر تعديل على الإثنين, 01 آذار/مارس 2021 02:09