_
بريكس... طروحات جديدة على طريق إزاحة الدولار

بريكس... طروحات جديدة على طريق إزاحة الدولار

ركزت اجتماعات البريكس الأخيرة على تطوير عمليات استبعاد الدولار التي ترتبط بثلاثة ملفات: بنك التنمية المشترك، منظومات الدفع والتحويل البديلة، والتبادلات التجارية بالعملات المحلّية... والأخيرة هي الأكثر تسارعاً بالقياس إلى المجالين الأوّلين، ولكنها بالوقت ذاته تكتنف على مخاطر ويتم السير باتجاه تطوير طروحاتها نحو عملة موحدة.

يعتبر الطرف الروسي الأكثر مبادرة ضمن دول بريكس الخمس (البرازيل روسيا الهند الصين وجنوب إفريقيا) باتجاه تقليص الاعتماد على الدولار بين أعضاء المجموعة، وذلك تحت تأثير العقوبات الغربية التي تلوّح بإيقاف التعاملات المالية الروسية بالدولار وتجميد الاحتياطيات وغيرها من الممارسات، التي تهدد أيضاً دول بريكس وغيرها، في ظل استعار الفوضى الاقتصادية والعقوبات كأداة فيها.

تعمل المجموعة على تطوير التمويل، وآليات الدفع والتجارة خارج إطار الدولار ومنظوماته، ولكن العملية لا تسير بالتسارع المطلوب في الاتجاهات كافة.

بنك التنمية وأنظمة المدفوعات البديلة

تم الاتفاق على تأسيس بنك بريكس للتنمية منذ عام 2014، وموّل البنك حتى الآن 35 مشروعاً استثمارياً بأكثر من 9 مليارات دولار... ونسبة 30-35% من هذه المشاريع تمّ تمويلها بالعملات المحلية لدول المجموعة، والباقي بالدولار واليورو.
أمّا على صعيد أنظمة المدفوعات البديلة، والتي تهدف للتخلص من سطوة نظام سويفت الغربي للمراسلات بين البنوك، فإن الاجتماع ما قبل الأخير لبريكس قد أشار إلى أن الصين والهند وروسيا تعمل على دمج أنظمة دفعها البديلة المستحدثة، فنظام spfs للمراسلة بين البنوك الروسية سيرتبط مع منظومة الدفع الدولية الصينية cips، أما الطرف الهندي فسيعتمد على الطرف الروسي في إنجاز منصات شبيهة.
لا تزال هذه العمليات في بداياتها من حيث التسارع، ووفقاً لبنك روسيا، فإنَّ مستخدمي النظام الروسي لا يتعدون حتى الآن 400 من البنوك المحلية الروسية وفروعها منذ ثلاث سنوات حتى الآن، ويتم الحديث عن توسيع المنظومة في دول الجوار ضمن دول الاتحاد الأوراسي، ولكن حتى الآن تشترك 8 بنوك أجنبية فقط، خمسة منها تجريبية.
مقابل هذا التوسع البطيء في التمويل الاستثماري بالعملات المحلية عبر بنك التنمية وكذلك في بدائل نظام سويفت الأمريكي، فإن العملية الأكثر تسارعاً هي في استخدام العملات المحلية في التجارة بين دول بريكس.

تراجع الدولار في تجارة البريكس

يتوسع بسرعة استخدام العملات الأخرى عدا الدولار واليورو في تعاملات دول البريكس التجارية بين بعضها البعض، ويتبين من خلال تجارة البضائع الروسية مع دول البريكس التراجع المهم في وزن الدولار، بعد أن كان العملة الأساسية والوحيدة تقريباً في التبادل.
وبأخذ صادرات البضائع الروسية لدول المجموعة فإن وزن الدولار قد تراجع بعد تطبيق العقوبات على روسيا في 2014، فبينما كان يُستخدم بنسبة 96% تقريباً لسداد مدفوعات صادرات البضائع الروسية لدول بريكس تراجع إلى نسبة 35% في منتصف العام 2019، ولكن ازدادت حصة اليورو، والأهم وصلت نسبة الروبل إلى 21% تقريباً.
أمّا في الواردات الروسية من دول البريكس فإن حصة الدولار لا تزال الأكبر بنسبة 67% تقريباً من التعاملات التجارية للبضائع، أما حصة الروبل لا تزال قليلة 5,8% في نصف 2019، ولكن حصة العملات الأخرى التي يشكل اليوان معظمها فقد ازدادت بشكل كبير، لترتفع من 2,2% في عام 2013 وصولاً إلى 22,2% في منتصف 2019.
وإذا ما استثنينا التعاملات الروسية الصينية بالعملات المحلية، وهي التي تتوسع بسرعة، فإن دول البريكس الأخرى التي تستورد روسيا بضائع منها لا تزال تطلب الدولار بالدرجة الأولى، وذلك لأن سعر صرفه هو الأعلى وجميع هذه الدول تعمل على تخفيض سعر عملاتها المحلية مقابل الدولار لتأمين إمكانات تصدير أعلى، وهي لا تمتلك الدافع حتى الآن للمبادلة التجارية بعملاتها.

عملة مشتركة جديدة والتجربة القديمة

يشير بعض المختصين الروس إلى أنّ طرحاً جديداً في اجتماع بريكس الأخير في البرازيل قد ظهر بمبادرة روسية ضمن مجلس أعمال بريكس، وذلك لتأسيس عملة افتراضية حسابية مشتركة بين دول المجموعة للتبادلات التجارية. الطرح الذي يرى البعض أنه أفضل من التبادل بالعملات المحلية... لأنه ينبغي الحذر من تدويل هذه العملات وطرحها خارج الحدود المحلية، الأمر الذي يُفقد الدول المعنية السيادة على منظومتها النقدية ويفسح لمالكي المال العالمي مجال المضاربة على قيمة الروبل على سبيل المثال والتحكم بها...
كما يدعو بعض المختصين إلى الاستفادة من التجربة السوفييتية في تنظيم التعاملات التجارية وفق تجربة الروبل التحويلي أو الخارجي الذي كان يتم التعامل به في التبادلات الخارجية بين دول الاتحاد السوفييتي. وكان لهذا النظام أسس: أولاً إجراء التبادلات بالبضائع مباشرة عبر إجراء مقاصة فيما بينها وبأقل قدر من «المال الكاش». وثانياً استخدام عملة حسابية مستقلة هي الروبل الخارجي أو التحويلي سعرها محدد مقابل عملات الدول المشتركة ويتم استخدامها لسداد الفوارق بين مبادلات البضائع مقابل البضائع.
وتنبغي الإشارة إلى أن أوروبا استفادت من هذا النظام قبل إطلاق اليورو، حيث استخدمت عملة مشتركة هي ecu خلال الفترة بين 1979-1998 في التبادلات والمدفوعات المشتركة إلى جانب وجود العملات المحلية لدول المنطقة.

 

إن المسعى الروسي لمواجهة العقوبات يعتمد على تحرير الروبل وإتاحة تحويله عالمياً إلى أية عملة عالمية أخرى، والغاية هي استبعاد الدولار واستخدام الروبل في التجارة الخارجية الروسية... ولكن هذه العملية تكتنف على مخاطر، لأنه ينبغي إبقاء العملة المحلية والنظام النقدي المحلي معزولاً عن النظام النقدي العالمي، حيث الغلبة لمالكي الكتل المالية العالمية بالعملات الصعبة والمستخدمة للمضاربة، والتي يمكن أن تقوم بالتحكم بقيمة العملة المحلية المدوّلة. ولذلك فإن إنشاء عملات جديدة للتبادل هو اتجاه أكثر سلامة من تدويل العملات المحلية، على الرغم من أن هذه العملية لن تكون عملية بسيطة. كما يرى المختصون أن إنشاء عملة كهذه وتطبيق نظام كهذا يمكن أن يبدأ بين الطرفين الروسي والصيني، فالدولتان لديهما المصلحة والدافع تجاه تجاوز الدولار ولديهما القدرة على تغطية عملة جديدة كهذه باحتياطيات الذهب الكبيرة لدى البلدين. إن طروحات استبدال الدولار متعددة الجوانب، ولكن العقوبات والضغوط الاقتصادية والأزمات المتوقعة تدفع إلى تسريع العمل على جوانبها المتعددة وتطوير الطروحات المرتبطة بها كالعملات الجديدة، إزاحة الدولار من موقعه العالمي لن تكون أمراً بسيطاً أو في الأجل القصير ولكنها متسارعة حكماً.

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
942
آخر تعديل على الإثنين, 02 كانون1/ديسمبر 2019 13:21