_
(يسقط حكم المصرف) ما الذي أردنا تعلُّمه من مصرف لبنان؟

(يسقط حكم المصرف) ما الذي أردنا تعلُّمه من مصرف لبنان؟

خرجت خلال الأزمة أصوات سورية تعكس رؤى المتنفذين المالية لتقول إنه علينا التعلم من النموذج اللبناني المصرفي... بينما يرتفع اليوم شعار واضح المعالم في لبنان يقول: (يسقط حكم المصرف)، إذ تتعمم الحقيقة القائلة بأن مصرف لبنان المركزي كان (مطبخ إدارة) النظام الاقتصادي اللبناني المشوّه والمتكامل مع نظام سياسي لم يخرج من عقيدة أمراء الحرب ومضاربيها حتى اليوم.

ما يسمّى (إعادة إعمار لبنان) في التسعينات كان واحداً من الظواهر الأمثل على تلك اللحظة الدولية والإقليمية: تحالف غربي خليجي مع توافق سوري لتحويل أمراء الحرب إلى نخب سياسية تتولى إدارة الأموال التي كان تدفقها أعلى في حينه مع ذروة نشوة المنظومة الغربية، وتحوّل لبنان بتحالف السلطة مع رجال الأعمال المحترفين واحة للريع المالي والعقاري، ولنموذج لا تستطيع أن تقول عنه حتى أنه (دولة هشّة)، بل إدارة سلطة سياسية تغلّف شبح الحرب المستمرة ضمنياً بفيض الخدمات والمال والسياحة، بينما تبقي الغالبية العظمى من اللبنانيين في دائرة الفقر محصورة في آمال ضيقة: إما الهجرة أو إيجاد مساحة ضيقة في دائرة اقتصاد الخدمات، وسط علاقات التبعية السياسية والطائفية.

عناوين أساسية تلخّص النموذج الاقتصادي اللبناني، أولاً صفر دولة ونشاط اقتصادي إنتاجي. وثانياً الدَّين كمصدر أساس لاستدامة وتوسع الثروة والسلطة والفشل.

(صفر دولة)

آخذاً بروح النيوليبرالية الاقتصادية التي كانت تنتصر وتتوسع عالمياً أسس نموذج لبنان ما بعد الحرب لدور محدد لجهاز الدولة، حيث لا يوجد للاستثمار أية مساحة فيه... فعملياً يقدّر الاقتصاديون اللبنانيون أنَّ حجم الاستثمار من مجموع موازنات الدولة لم يتجاوز 7% من أصل 230-240 مليار دولار إنفاق عام خلال أكثر من عشرين عاماً، وعلى هذا الأساس لم يوجد حل لأزمة الكهرباء ولا المياه ولا النقل العام ولا الإسكان، وبالطبع لم تلعب الدولة دوراً في الإنتاج الزراعي أو الصناعي اللبناني الذي لا يتجاوز 17% من حجم الناتج.
وحتى هذه الـ 7% إنفاق استثماري كانت مهدورة... فعلى سبيل المثال أُنفق على قطاع الكهرباء خلال 25 عاماً قرابة 35-40 مليار دولار دون تأمين كهرباء لـ 3 ملايين مواطن فقط.

الدَّين العام 152% من الناتج

خرج لبنان من الحرب بِدين عام يقارب 1,5 مليار دولار فقط، بينما وصل دينه العام اليوم إلى ما يقارب 87 ملياراً، ونسبة 152% من حجم الناتج، وهي ثالث أعلى نسبة عالمياً.
إن كتلة الأموال المتضخِّمة هذه تدور في الدائرة الضيقة للنظام المصرفي، والنشاطات الاحتكارية الموزعة بين الزعماء، وطبعاً الحصة الهامة للمقرضين في الخارج. لهذه الأموال مصدران أساسان، الودائع المتراكمة في المصارف اللبنانية، بالإضافة إلى الديون الخارجية بأشكالها المتنوعة والتي يصب جزء منها في المصارف أيضاً...

المصارف اللبنانية 300% من الناتج

في 2016 ساهمت المصارف بنسبة 54% من الدَّين العام اللبناني، ودفعت لها الحكومات ما يقارب 62 مليار دولار فوائد دَين خلال 10 سنوات فقط.
لدى النظام المصرفي اللبناني كتلة ودائع تقارب 300% من حجم الناتج، وهي حالة استثنائية لا يسبق لبنان إليها إلا هونغ كونغ ولوكسمبورغ، اللتان تعتبران أهم مراكز حركة الأموال عالمياً، هذه الأموال متراكمة من مغتربي لبنان وأثريائه ومن المحيط الإقليمي (الخليجي والسوري جزء هام منها)، وهي ظاهرة تعود إلى وزن القطاع المصرفي اللبناني قبل الحرب ومنذ الستينات تقريباً، ولكن الأهم التحفيز العالي لتدفق الأموال والودائع عبر الفوائد المرتفعة التي يدفعها المال العام والتي وصلت إلى 35% مع إطلاق الهندسات المالية بعد 2016...

الارتهان للإقراض الخارجي

أما كتلة الديون الخارجية فقد تضاعفت 60 مرّة بين عام 1993- 2018، ومنذ 2001 دخل المانحون الدوليون بشكل رسمي إلى عملية الإنقاذ الدوري للمنظومة اللبنانية مع مؤتمر باريس (1) وما تلاه، وبدأ الرعاة الغربيون من أوروبا تحديداً، والخليج بعملية المنح المنظّمة للنظام اللبناني، التي تصل اليوم إلى طرح خطة إنقاذ بـ 11 مليار دولار مقابل تعميق عمليات الهيكلة من خصخصة وتخفيض الإنفاق العام، ورفع الضرائب وغيرها من الشروط... وتحت ضغط التلويح الأمريكي بالعقوبات على المصارف، وبدء تخفيض تصنيف الديون اللبنانية، حيث يضع المقرضون الخارجيون المأزومون اليوم منظومة لبنان الاقتصادية تحت التهديد.

مصرف لبنان قيادة العملية

مصرف لبنان هو الإدارة العميقة للنظام المالي والنقدي اللبناني، ثبّت سعر صرف الليرة تاريخياً ولكن عبر عملية الدولرة المنظمة للاقتصاد اللبناني، وحافظ على التزام الدولة بسداد فوائد وخدمة الدَّين العام التي تبلغ 40% من الموازنة، ولكن مقابل استمرار توسع الدَّين العام وزيادة ارتهان النظام الاقتصادي اللبناني للمقرضين.
المصرف كان يدير إطفاء الدّين بالدَّين، وسداد الديون عبر سحب أكبر كتلة ممكنة من الدخل اللبناني لفوائد تُدفع للمقرضين من الأثرياء المحليين والجهات الخارجية، ولكن هذا النموذج كان يعتمد على استمرار التدفقات الخارجية الذي أصبحت اليوم أقل، والمقرضون أصبحوا أكثر تطلباً، واللبنانيون أصبحوا عاجزين عن احتمال مزيد من التخلف الاقتصادي والسياسي في سبيل سلطة المال، وخيار اللجوء لمعالجة الدَّين بالدَّين ليس خياراً بعد اليوم.

خيارات محدودة في وجه الدّين

سيكون على اللبنانيين اليوم أن يعالجوا تشوّهات (الإعمار النيوليبرالي) المتراكمة منذ ثلاثة عقود، وأن يستعيدوا السلطة والدولة التي يهددها- بشكل مباشر- الآن الدَّين، وإذا ما كانت إعادة هيكلته خياراً فهذا الخيار ينبغي أن يكون على أساس استعادة الأرباح التي جنتها المنظومة المصرفية، والسلطة من نهب الدَّين العام ومن فوائده... أمّا تدفيع الأطراف الخارجية لحصتها من هذا التشوه فلا يمكن أن يكون إلا بالتلويح بالامتناع عن السداد، وهو خيار يطرحه بشكل جدي مستوى أزمة الديون اللبنانية والعالمية، ففشل الدَّين اللبناني اليوم المقارب لـ 100 مليار دولار قد يعني انفلات شرارة لأزمة مالية إقليمية وأوروبية وقد تمتد، وهو وضع يحق للبنانيين أن يهددوا به بعد أن تمت سرقتهم لعقود تحت غِطاء الدَّين.
ولكن الأهم هو أن يستطيع اللبنانيون أن يتراجعوا عن الدولرة بأكبر قدر ممكن، عبر توجيه الأموال لاقتصاد حقيقي، وتغيير وجهة علاقاتهم الاقتصادية الدولية بعيداً عن الدولار، الأمر الذي يحتاج أعلى ضغط شعبي يرسم برنامجاً لينتزع السلطة والقرار الاقتصادي.

ما الذي أردنا أن نتعلمه من النموذج النقدي والمصرفي اللبناني؟ فلا استقرار سعر الليرة اللبنانية، ولا القدرة على سداد خدمة الديون، ولا توسع ودائع المصارف، جميعها لم تكن مؤشرات إيجابية، بل كانت تخفي وراءها أن سلطة المال هي الحكم العميق في لبنان الذي يتداخل عميقاً مع السلطة السياسية. هنالك قواسم مشتركة سورية مع الوضع اللبناني: أمراء حرب أثرياء ومتنفذون، منظومة مصرفية تتوسع، ليرة تهتز مع اهتزاز وتراجع الاقتصاد الحقيقي، جهاز دولة يتآكل دوره الاستثماري ويتوسع عجزه، وإدارة أزمة لا تريد التخلي عن الدولار، بل تأمل بنموذج إعمار على أساس المحاصصة الدولية و(التدليل) على أملاك الدولة ونشاطها الاقتصادي. ولكن كل هذا لن ينفع لإعادة التجربة اللبنانية، لأنَّ لبنان يقدم لنا اليوم مثلاً واضحاً عن الفشل العميق الذي يوصل إليه اقتصاد أمراء الحرب، الذي يريدون تحويل أموالهم إلى خدمات ومال ومصارف، وأن يتربعوا على عرش بيع البلاد للاستثمار العقاري والمالي. ينبغي أن يتعلم متنفذونا أن سورية في مطلع العقد الثالث من الألفية لن تستطيع أن تعيد تجربة لبنان في مطلع التسعينات، فالعالم يتغير والغرب داعم هذا النموذج وراعيه يتراجع، والأزمة العالمية ستقلل من تدفق المال السهل الضروري لدعم نموذج من هذا النوع، والأهم أن الشعوب يرتفع وزنها ودورها ولم تعد قادرة على تحمل المزيد من التخلف والنهب.

معلومات إضافية

العدد رقم:
937
آخر تعديل على الإثنين, 28 تشرين1/أكتوير 2019 13:49