_
الدولار سيرتفع... إن صمت «المركزي» أو تكلّم!

الدولار سيرتفع... إن صمت «المركزي» أو تكلّم!

تلقى موجة ارتفاع سعر صرف الدولار المستمرة، والتي أوصلته إلى أعلى من مستوى 600 ليرة- الكثير من الأخذ والرد كالعادة. وتتوجه الأنظار دائماً إلى المصرف المركزي «ليفعل شيئاً»، في الارتفاع الماضي نصحنا الحاكم بأن ندعم الليرة بكلمة طيبة، وفي هذه المرّة تحدث عن الوهم والمضاربة والعقوبات. ولكن في الحقيقة المسألة اقتصادية بل وسياسية وأبعد من السياسة النقدية.

كل السياسة الاقتصادية تؤدي إلى ليرة ضعيفة، وإلى طلب متفاقم على الدولار، عملة العقوبات الدولية... ولن يحمي الليرة فعلياً سوى إجراءات جذرية، لا حِمْل ولا نيّة لأصحاب القرار الاقتصادي السوري على اتخاذها.
ترتبط موجة الارتفاعات الحاصلة فعلياً، بالعقوبات وبالمضاربة، وهو أمر واقع لا يمكن لأحد إنكاره. فالدولار بعد العقوبات أصبح مطلوباً أكثر، بل جرت نقلة نوعية في الطلب عليه، والليرة متكدّسة وغير فعّالة إنتاجياً في ظرف من انعدام الثقة بالقدرة على الإنتاج والاستثمار، وعدم الثقة هذا منطلقهُ الحكومة قبل غيرها.

طلب كبير على الدولار

منذ نهاية العام الماضي، والبدء بتشديد العقوبات، وتوقف الائتماني الإيراني، حصلت نقلة نوعية في الطلب على الدولار. إذ أصبحت الحاجات الأساسية مستوردة بأسعار أعلى من الأسعار العالمية ومثقلة بعمولات «المنقذين» من كبار رجال الأعمال الذين تكفّلوا بتأمين الأساسيات من محروقات وقمح وغيرها.
فمثلاً: تمّ التعاقد خلال .... أشهر على عقود سددتها الدولة بالدولار وبقيمة 1,2 مليار دولار لتأمين المحروقات، نسبة 40% منها قد تكون عمولات. وفي القمح مثلاً: تمّ التعاقد على أكثر من 200 مليون دولار من مستوردات القمح، كِلفها أعلى من الأسعار العالمية بنسبة تتراوح بين 26-57%، وتحدث رئيس الحكومة مؤخراً: أن الحكومة دفعت خلال ثلاثة أسابيع 400 مليون دولار موزعة بين نواقل نفط، وقمح.
وكل هذه المليارات والملايين من الدولارات هي طلب على الدولار للسلع الأساسية، الجزء الأعظم منه كان يُغطَّى سابقاً بالائتماني الإيراني، دون دفع! وبالتالي، فإن شرارة ارتفاع الطلب على الدولار هي من حاجات الحكومة، واعتمادها على «كبار السوق» للحصول على الأساسيات.
هذا عدا عن ارتفاع كلف المستوردات بمجملها مع العقوبات، وبالتالي، طلب أكبر على الدولار لاستيراد الكمية ذاتها التي كان يتم استيرادها سابقاً.

طلب قليل على الليرة

في المقابل، إن الطلب على الليرة أيضاً في حدوده الدنيا، في ظل مقدرات الاستهلاك المنخفضة أساساً في سورية التي نسبة 85% من سكانها فقراء. والأهم، بسبب الركود الكبير في العمليات الإنتاجية المحلية، التي لا تنشط في ظروف الاضطراب والقلق، والتي لا تلقى حوافز جديّة...
فإذا ما كانت الحكومة تقلّص إنفاقها لحدود دنيا، فكيف سيتشجع القطاع الخاص ليزيد استثماره وتشغيله، وتحديداً مع ارتفاع أسعار المحروقات عليه، وصعوبات تصريف الإنتاج، في ظل توقعات بارتفاع التضخم، وصعوبات التصدير.
وعليه، فإنَّ ما يزيد عن 3000 مليار ليرة تبقى متكدسة في المصارف العامة والخاصة، لا تجد منفذها للإقراض، فالجميع يخاف من التعثر في الظروف الحالية، ولا يجرؤ على المخاطرة بتحويل الأموال للسوق.
ففي ظروف اليوم، تقول قوانين السوق: إن أفضل استثمار لمن يمتلك ليرة، هو تحويلها إلى دولار! ولا يمكن توقّع غير ذلك من قوى السوق، فمن يتأخر عن لحاق ركب الربح، «يبلعه» السبّاقون الأكبر و«الأشطر».

أمّا ما الحل؟

إنّ هذه المعضلة مستمرة منذ بداية الأزمة، ولا حلّ لها إلا بدولة قوية صاحبة دور فعّال اقتصادياً، ولا تحلّها السياسة النقدية فقط التي تمتلك أدوات محدودة هي «جزءٌ من كُلّ».
فلماذا دولة قوية اقتصادياً، لأننا نحتاج إلى تأمين الأساسيات عبر الدولة، ودون الدولار... وهو ما يعني الوصول إلى اتفاقيات رسمية كما في الائتماني الإيراني السابق، مع دول مستعدة لتجاوز العقوبات. فيأتينا النفط والقمح من روسيا مثلاً بسفن حكومية تكلفتها لا تتعدى عشرات ملايين الدولارات، ويتمّ الدفع ضمن حسابات حصرية لفروع بنوك رسمية بين البلدين ومتخصصة بالمبادلات الرسمية، ومفتوحة بالعملات المحلية، أو بطريقة دفع لا تتضمن دولاراً مدفوعاً مباشرة. وهذه الطريقة ليست اختراعاً، بل هي الطريقة المطبقة بين روسيا وإيران طوال فترة العقوبات على إيران، وهي طريقة تعمل عليها فنزويلا حالياً مع روسيا بعد العقوبات. ولكننا لم نطبق هذه الآلية لأنها تقوي دور الدولة، وتضعف دور كبار السماسرة والوكلاء، ومصالح هؤلاء محدّدة في السياسة الاقتصادية السورية. ولا حلّ جديٌّ دون تخفيض الطلب على الدولار لتأمين الأساسيات...
أما في المقلب الثاني، أي دعم الليرة والطلب عليها، فنحتاج أيضاً إلى دور دولة قوي، يستخدم الأموال المتكدسة في المصارف استخداماً إنتاجياً مباشراً يخلق ثروة جديدة منتجة بالليرة، ومباعة بالليرة، وبالتالي تدعم الليرة. وهذه العملية هي نقطة انطلاق تحفّز المنتجين الآخرين، وتحفّز المصارف للمخاطرة. ولكن طالما أن الدولة متخوفة ولا تنفق، فإن أحداً لن يستثمر وينفق... كل الإجراءات الأخرى ستكون «ترقيعية»، وسيبقى الدولار «معبود الجماهير» والليرة «منبوذة» طالما أن السياسة الاقتصادية تدعم هذا الاتجاه.

معلومات إضافية

العدد رقم:
919
آخر تعديل على الإثنين, 24 حزيران/يونيو 2019 14:39