_
قمح الجزيرة:  مراحل في سرقة المحصول وحرق التعب

قمح الجزيرة: مراحل في سرقة المحصول وحرق التعب

يقول «كبارية» مزارعي الجزيرة السورية أن أمطار الموسم الماضي لم تشهدها المنطقة منذ عام 1969، وبالفعل فإن الحسكة تنتظر إنتاجاً يقارب مليوني طن من القمح والشعير مزروعة على حوالي 910 آلاف هكتار... وبالرغم من احتلال الحرائق للصورة، إلا أن النار ليست الوحيدة التي تهدد الموسم بل إنّ (بلاوي) التسليم ومراحل الابتزاز صواعق تُوتّر أوضاع الفلاحين في المنطقة!

يخصص لموسم القمح في العام الحالي 400 مليار ليرة من الحكومة و200 مليون دولار من الإدارة الذاتية، وهذه الأموال نصب أعين الكثيرين.

 

الحرائق بداية

تختلف تقديرات الحرائق بين من يقول: إنها لم تتعدَّ 2300 هكتار وبين من يوصلها إلى أكثر من 7000 هكتار، ولكنها بكافة الأحوال لا تصل إلى 10% من الأراضي المزروعة وفق أعلى التقديرات.
أما الخسائر الإنتاجية فقد قدرتها الإدارة الذاتية بحوالي 19 مليار ليرة، أي حوالي 77 ألف طن شعير، وما يقارب 53 ألف طن قمح، إذا اعتبرنا أنها مناصفة بين القمح والشعير. ويذكر أن الحرائق أفقدت 7 مواطنين حياتهم احتراقاً، مع العديد من المصابين بالجروح والحروق.
الإدارة الذاتية بداية سعّرت القمح بسعر أقل من السعر الحكومي بنسبة 15%، والأهم، أنها لم تعلن نيتها استلام الشعير الذي قد ينتج منه 1,1 مليون طن في المنطقة! ولهذا فقد تشكلت أزمة غير مسبوقة على مركزي الاستلام الحكوميين في الحسكة والقامشلي. فالكل يريد تسليم المحصول بالسعر الأعلى ويريد تسليمه قبل أن تطاله الحرائق أو التخريب. وقد أنتجت هذه الأزمة باب رزق وابتزاز لكبار المتنفذين وما دونهم من حلقات فساد...

بذار التجار أولاً

مع أول دفعة من المطر استبشر الفلاحون في الحسكة خيراً، وهرعوا إلى تجهيز الأراضي بالفلاحة وشراء البذار ومستلزمات الإنتاج. وزرعت مساحات وصلت إلى أكثر من 900 ألف هكتار، رغم ارتفاع أسعار البذار التي تُشتَرى من السوق السوداء لعدم توفرها، والتي وصل سعرها إلى 225 ألف ليرة لطن القمح، و240 ألف ليرة لطن الشعير. فالمصدر الأساسي للبذار هو من السوق السوداء، ومما يخرجه المزارعون من إنتاجهم كبذار. أما الحكومة فلم توزع من حاجات البذار في الحسكة إلا نسبة لا تصل إلى 1% من الحاجات، إذ وزعت 3000 طن حتى شهر 12-2018، بينما الحاجة الإجمالية تقارب 110 آلاف طن من بذار الشعير، وحوالي 160 ألف طن من بذار القمح. (هكتار الشعير يحتاج 100 كغ بذار، وهكتار القمح يحتاج إلى 350 كغ تقريباً)
ولذلك فإن سعر بذار القمح في السوق السوداء أعلى من السعر الرسمي بنسبة: 25%. ويذكر أن الحكومة باعت للمنظمات الدولية بذاراً بمقدار 1400 طن بين الفاو والصليب الأحمر أي: بنسبة تقارب 45% مما باعته لمزارعي الحسكة!

الأدوية والحصادات ثانياً

مع كثرة هطول الأمطار في المنطقة، خرجت أنواع كثيرة من النباتات الشوكية الضارة التي تؤثر في نمو المزروعات، ولا توجد مواد مكافحة توزع حكومياً كما كان الأمر في السابق. وأصبحت المكافحة أيضاً تحت رحمة السوق السوداء، التي تسابق تجارها لرفع أسعار الأدوية، والتي كانت في المواسم العادية تكلف بحدود 5% من تكلفة الدونم وحوالي 2000 ليرة (حسبة قاسيون لتكاليف القمح في 2018).
عدا عن الأدوية فإن الحصادات أيضاً والتي تتجه في بداية الحصاد إلى المناطق الجنوبية من المحافظة والأعلى حرارة، لم تكن قادرة على تغطية المساحات الواسعة والمحصول الكبير. وأثّر هذا على فلاحي المناطق الشمالية ورفع الطلب على الحصادات، وتحديداً مع الحرائق التي دفعت المزارعين إلى الإسراع في الحصاد. وارتفعت أسعار الحصاد من 1800 ليرة للدونم الواحد إلى 3400 ليرة للدونم، وبنسبة ارتفاع 47%.

أين الأكياس؟!

رحلة البحث عن أكياس الخيش طويلة لدى مزارعي الحسكة اليوم، فعند الجهات الحكومية يصعب الحصول على أكياس على الرغم من أنّ الحكومة قد صرحت بأنها وزعت أكثر من 3,5 ملايين كيس... ولكن يتساءل المزارعون: لمن تمّ توزيعها؟
تتواجد الأكياس اليوم في السوق السوداء طبعاً، ووصل سعر الكيس إلى ضعف سعر الدولة: 1400 ليرة مقابل 700 ليرة!
وهنا يقول أحد المزارعين: «منذ عشرة أيام قمت بدفع مبلغ للحصول على الأكياس من مركز الدولة، وما زلت أنتظر دوري الذي كان في الجداول الأولى.. ولكني لم أستلم حتى الآن! الكميات الكبيرة تمّ استجرارها من قبل التجار، حيث حصل أحدهم فقط على كمية 40 ألف كيس خيش دفعة واحدة، وبشهادة منشأ وهمية، وبمساعدة من متنفذين يشاركونه مربحها الذي قد يصل إلى 100%». الجهات الرسمية تنفي وجود تأخير في تسليم الأكياس، وتقول: إنها وزعت ما يفوق 3 ملايين كيس، وأن لديها فائضاً بحدود 300 ألف في الحسكة، وأنها على مستوى البلاد لديها 14 مليون كيس، لدى المؤسسة السورية للحبوب، ولكن رغم هذه التأكيدات فإن المزارعين يقولون: إن بعضهم اضطر لوضع المحصول في أكياس نايلون، وخاصة الشعير.

شراء الأدوار وتكاليف النقل

الضغط على تسليم محصول الشعير لمراكز الحكومة، الذي قررت الإدارة الذاتية أنها لن تستلمه، بينما فتحت المراكز الحكومية استلامه. أدى إلى انتشار التجار لشرائه من المزارعين، وذلك عبر حجزهم لأدوار التسليم، وشرائهم لشهادات المنشأ الوهمية، الأمر الذي يعني تأخير أدوار المزارعين ورفع كلفهم، وصعوبة حصولهم على شهادات منشأ، وبالتالي، يضطرون لبيع محصولهم للتجار، لأنهم لا يملكون أوراقاً نظامية لتسليمها للحكومة. ومن استطاع الحصول على أوراق فإنه عملياً يعاني من انتظار الدور، وتجارة بيع الدور... فالسيارات يمكن أن «تنام» أسبوعاً أو أكثر لتستطيع الدخول إلى حرم المركز، وتفريغ المنتج، مما ساهم بدوره بارتفاع أسعار نقل المنتج، التي بدأت من 125 ألف ليرة بداية الموسم ووصلت اليوم إلى 350-400 ألف ليرة للحمل مهما كان وزنه!
ويروي السائقون حكايا عن شراء التجار للدور... «بعد انتظاري للدور 3 أيام، تأتي سيارات لتدخل مباشرة، بكلفة إتاوة 100 ألف ليرة. وإذا ما اعترضت قد تعود إلى آخر الصف، وتنتظر ثلاثة أيام أخرى... أمس دخلت أمامي 30 سيارة لتجّار ومزارعين كبار دفعوا «اللي فيه النصيب» على مرأى الجميع».
ولذلك يحصد المزارعون إنتاجهم اليوم، وينتظرون أن تنفرج أزمة التسليم قليلاً، ويخفّ الدور... ولكن هذا يحمل مخاطرة تعرض المحصول للسرقة أو الحرق في الظروف المضطربة للمنطقة، ليتحول المزارعون إلى حرس يحرسون محصولهم المحصود ليل نهار، أو يخضعوا لضغط التجار ويبيعوا بمربح أقل.

الإتاوات ثمن دخول المركز

إضافة إلى ذلك تكثر إتاوات الجهات التي تصطف على طريق مراكز استلام الدولة، ويصف أحد الفلاحين تجربته في النقل ومدفوعات الإتاوات فيقول: «أول حاجز للجهة الأولى طلب 10 آلاف ليرة عن الحمل، والثاني 5 آلاف ليرة، والثالث 3 آلاف ليرة، أما أمام الباب الرئيس فـ 5 آلاف، وعلى باب دخول المركز 3 آلاف، وعلى الميزان 3 أيضاً لتصل الحمولة بكلفة 30 ألف ليرة تقريباً»...

ابتزاز متفرق

عدا عن كل ما سبق، فإن وصول السيارة إلى المركز لا يعني انتهاء سلسلة الابتزاز، فعملياً على المزارع أن يدفع ليتم تصنيف قمحه درجة أولى عوضاً عن ثالثة، وثانية عوضاً عن رابعة، أي: أن يدفع كي يزيد سعر حمولته. وتسعيرة التصنيف ليست مقطوعة بل بناء على الكمية، ووصلت إلى 100 ليرة على كل طن! عدا عن عمولة في المستودع، في الترقيم والتنظيف وغيرها...
ومع كل هذه التكاليف للتسليم إلى مراكز الدولة، فإن مستويات التسليم ستنخفض عن المتوقع، ولكن يبقى السعر المرتفع حافزاً لتحمّل كلف (السلبطة)، لأن السعر الحكومي أعلى من تسعيرة الإدارة الذاتية بنسبة 15% تشكّل فرقاً ملموساً، فعملياً السيارة التي حمولتها 50 طنَّ قمحٍ وبعد هذه التكاليف تعيد للمزارع فرقاً بين السعرين بحدود 850 ألف إلى مليون ليرة. ولكن هذا السعر الحكومي المرتفع تحول إلى باب رزق وهدف للمرتزقة بأشكالهم من تجار ومتنفذين، أحرقت نسبة هامة من ربح المزارعين..

وضعت الحكومة سعراً مرتفعاً لشراء القمح والشعير، وهذا السعر المرتفع 185 ليرة للكغ تحفيزي للمزارعين، ويحقق لهم جدوى، بالمقارنة بكلفهم التي قد تتجاوز عتبة الـ 137 ليرة لكغ البعلي كما في العام الماضي... فإذا كان المزارعون قد وفروا ما يقارب 22% (نسبة تكاليف الري في 2018)، وحصلوا على غلّة أفضل، فإنهم بالمقابل قد دفعوا على تكاليف المستلزمات الأخرى التي ارتفعت بسبب هيمنة السوق عليها، وارتفاع الطلب في هذا الموسم الجيّد. فالبذار أعلى من السعر الرسمي بنسبة 25%، والحصاد ارتفعت تكاليفه بين بداية الموسم واليوم بنسبة 47%، والأدوية تكاليفها أعلى، والأكياس ارتفعت أسعارها بنسبة 100%، وتكاليف النقل ارتفعت أربعة أضعاف تقريباً بسبب الازدحام، وإتاوات طريق الوصول إلى المركز تقارب 30 ألف ليرة على السيارة، هذا عدا عن العمولات في داخله... وبالمقابل فإن المزارعين مضطرون للإسراع لتسليم المحصول نظراً للضغوط الأمنية الحاصلة في المنطقة والحرائق وما يدور حولها، ولكن مقابل التسليم للدولة بالسعر الأعلى سيكون عليهم أن يوزعوا من سعر الـ 185 ليرة الحكومي إتاوات وأرباحاً لسلسلة من المستفيدين المتسلقين على الموسم والتمويل. أو سيكون عليهم أن يبيعوا بسعر أقل للإدارة الذاتية ويقارب التكلفة 160 ليرة لكغ القمح. أما في الشعير فإنهم يواجهون احتمالين: سعر 130 ليرة الحكومة مقابل توزيع حصة لنفوذ الفساد، أو البيع للتجار بسعر متدنٍ قارب 60 ليرة لكغ الشعير...

1%

وزعت الحكومة بذار قمح وشعير في الحسكة لم تتجاوز 3000 طن حتى بداية العام بينما حاجات المحصول تقارب 270 ألف طن بينما باعت للمنظمات الدولية قرابة نصف هذه الكمية لحينه.

47%

ارتفعت تكاليف الحصاد في الجزيرة السورية من 1800 ليرة إلى 3400 ليرة للدونم فعدد الحصادات في المنطقة لا يتناسب مع مستوى الإنتاج الحالي وارتفاع الطلب للحصاد بسرعة خوفاً من الحرائق.

100%

ارتفعت أسعار أكياس الخيش من 700 ليرة للكيس إلى 1400 ليرة في السوق السوداء طبعاً، بسبب تأخير استلامها من المراكز الحكومية التي تنفي نقص الأكياس بينما يضطر المزارعون للتعبئة بالنايلون!

19 مليار

تقول الإدارة الذاتية: إن خسائر الحرائق الإنتاجية قد بلغت 19 مليار ليرة ما يعني حوالي 77 ألف طن شعير و53 ألف طن قمح تقديرياً، وهي لا تشكل نسبة 0,7% من إنتاج الشعير و6% من القمح.

 

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
919
آخر تعديل على الإثنين, 24 حزيران/يونيو 2019 14:43