_
ما الذي غطّى الإنفاق العام؟! حول الائتماني الإيراني والحوالات..

ما الذي غطّى الإنفاق العام؟! حول الائتماني الإيراني والحوالات..

يكثر الحديث عن ضرورة شفافية الحكومة معنا... أن تكون صادقة ومنفتحة في الاتجاه العام للسياسات الاقتصادية، وبدأت على إثرها موجة من إجراءات وبرامج وندوات المصارحة تغزو الشاشات والصحف الرسمية وشبه الرسمية، وعلينا أن نتوقع أفعالاً بعد الأقوال. فصراحة الوضع المالي الحكومي سيئ، ولم يعد ممكناً (الصرف ببلاش).
بصراحة أيضاً: إن البلد التي تراجع ناتجها بنسبة تفوق الـ 60%، وتراجعت القيمة الفعلية لإيراداتها العامة بنسبة 70% تقريباً. كانت (تمشي مالياً) في المرحلة السابقة بأدوات محددة، أهمها: الائتماني الإيراني، بالإضافة إلى الحوالات التي تؤمن القطع الأجنبي، ليغطي عملية إصدار النقد السوري التي تزيد كتلة الليرة عبر الطباعة والاستدانة من المصرف المركزي... والتي يُقدّر بأنها توقفت أو تراجعت لحد بعيد بعد عام 2016، مع استقرار نسبي في الليرة.

الائتماني الإيراني... (يا ضيعانو)

شكّلت الواردات الشهرية النفطية عبر الائتماني الإيراني، نسبة 27% من الإنفاق الحكومي الشهري الوسطي خلال عام 2017. وهذه الواردات لم تكن مدفوعة الثمن، وكانت تحقق عائداً للحكومة، من إنتاج المشتقات في المصافي السورية، وبيعه المشتقات بسعر قريب للسعر العالمي.
في عام 2017، وهو العام الذي تتوفر بيانات حكومية حوله، تقول الحكومة: إنها أنفقت 2660 مليار ليرة، وهو ما يقارب في حينه: 5,2 مليار دولار*... من ضمن هذا الإنفاق يشكّل استيراد الحكومة لعناصر الطاقة (الوقود والزيوت المعدنية) الكتلة الأكبر، بمجموع تجاوز: 1500 مليار ليرة، من بينها نفط خام بقيم تقارب: 710 مليار ليرة، وحوالي 1,4 مليار دولار سنوياً، و260 مليون دولار شهرياً نفطاً خاماً. كان مصدره الأساسي الخط الائتماني الإيراني، أي: أنه كان غير مدفوع الثمن، أو مؤجل الدفع، ولكنه بالمقابل مباع في السوق السورية، بأعلى من التكلفة، وهو يشكل مورداً مالياً حكومياً هام.
إنّ هذه الموارد التي تشكل ربع الموازنة العامة، لم تعد موجودة اليوم، وأصبح قطاع المحروقات يعتمد على مستوردات متنفذي قطاع استيراد النفط ومشتقاته، بأسعار أعلى من السعر العالمي بنسبة قد تصل 40%.
وهذا ما علينا أن نتوقع منه استمرار رفع أسعار المحروقات الأخرى، وتحريرها الكامل، كما في البنزين.

حوالات السوريين مصدر القطع

تشير تقديرات خبراء اقتصاديين سوريين أن كتلة الحوالات الداخلة إلى البلاد تقارب 2000 مليار ليرة سنوياً، وحوالي: 3,9 مليارات دولار. وهي تغطي نسبة 75% من الإنفاق الحكومي في 2017. وهذا التقدير قريب إلى التقديرات الرسمية التي تقول: إن حصيلة الحوالات الجارية، (الداخل– الخارج) قاربت: 1640 مليار ليرة في 2017.
وهذه الحوالات هي الحوالات المسجلة رسمياً، أي: التي يعود قطعها الأجنبي إلى المصرف المركزي، مع حصة لمكاتب الوساطة المالية ووكلاء شركات التحويل، والمصارف. والتي يدفع مقابلها ليرة بالسعر الرسمي للدولار. أما مصدر هذه الليرات فهو كتلة الليرات المتراكمة في السوق السورية سابقاً والتي تزيد على 6000 مليار ليرة، والتي يأتي جزء منها من عمليات الإصدار النقدي (الطباعة)، وهي أيضاً دين عام مؤجل الدفع.
إن كتلة الإنفاق السوري الحكومي، إن كانت تنفق فعلاً، فهي عملياً كانت مغطاة من مصدرين: البضاعة مؤجلة الدفع التي كانت تأتي عبر الائتماني الإيراني بمعدل 1,4 مليار دولار نفطاً خاماً، والتي تغطي بقيمتها نسبة 26% من إنفاق 2017، وهذه كانت تحقق موارد مباشرة للحكومة. أما المصدر الثاني للتغطية، هو: القطع الأجنبي الذي يرسله السوريون في الخارج كحوالات لذويهم بمعدل 3,9 مليار دولار يغطي: 75% من كتلة الليرة المنفقة. وهذه قد لا تحقق موارد مالية كبيرة للحكومة، أو للمصرف المركزي، إلا أنها تزوده بكتلة هامة من القطع الأجنبي، يموّل بها لاحقاً المستوردين بالدرجة الأولى.

هوامش:
*سعر الصرف محسوب على أساس 507 ليرات مقابل الدولار، وهو وسطي السعر الرسمي للمستوردات في 2017 كما يرد في المجموعة الإحصائية لعام 2018.
*البيانات تعتمد على إحصائيات التجارة الخارجية والمالية العامة في المجموعة الإحصائية 2018- المكتب المركزي للإحصاء.

إن كان نفط الائتماني الإيراني، والحوالات هي مصدر التغطية الأساسية للإنفاق العام بآلاف مليارات الليرات خلال سنوات الأزمة، فإن هذه الموارد الآتية من الخارج والمعرضة لأثر للعقوبات، هي موارد غير مستقرة. وهذا ما حدث في الائتماني الإيراني اليوم، وما قد ينسحب على الحوالات لاحقاً. ولذلك فإن القدرة على الإنفاق العام بخطر، وهو ما يظهر اليوم من العملية المنظمة لتقليص الإنفاق، والبحث عن موارد (بالبيع الاستثماري) لموارد الحكومة، وممتلكاتها وخدماتها. هذه العملية هي استكمال للأزمة المالية العامة وتعميق لها، هنالك من يريد أن يعمّق وصولنا إلى دولة إدارية هشّة، لا تمتلك من أمرها إلّا أن تعرض الخدمات والموارد بل والممتلكات العامة للاستثمار، وتأخذ حصصاً قليلة، بينما تخسر إنتاجها الحقيقي، وكوادرها البشرية، وبالتالي دورها الوظيفي. لقد قطعنا شوطاً بعيداً في هذا الاتجاه، ولكن ما يجري اليوم وبشفافية هو الاستفادة من ظرف التأزم والعقوبات للسير السريع بهذا الاتجاه، وباللحظة التي لا يستطيع السوريون أن يدافعوا فيها عن بقايا جهاز دولتهم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
916
آخر تعديل على الإثنين, 03 حزيران/يونيو 2019 15:18