_

لو رفعت الحكومة أسعار المازوت... قد تربح ولكن سيخسر الناس

 لم يعد أحد في سورية يضمن سلوك الحكومة الاقتصادي اليومي، أو يقدر على معرفة أي من الاتجاهات سوف يتخذه، فالارتجال وعدم التبرير المنطقي للحركات الاقتصادية الخاطفة أصبحا من السمات الأساسية لشخصية الحكومة اقتصادياً، فجأة يُتخذ قرار برفع الحماية عن صناعة ما، وفجأة يسمح باستيراد ما كان ممنوعاً ويمنع ما كان مسموحاً، وفجأة تُرفع أسعار الأسمنت والبنزين، وفجأة تُرفع وتُخفض أسعار الفوائد، وفجأة يصدر قانون نقدي وفجأة يُعدّل، فالمزاجية والآنية هي التي تحكم الأداء الاقتصادي، والمواطن ينتقل من مطب إلى آخر دون علم، لماذا؟

وتخميناً لوجود مطب اقتصادي جديد خلال الأشهر القادمة مجسداً برفع سعر المازوت والذي وعدت الحكومة نظرياً أنها لن تمسه، دعونا نتحدث قليلاً عما سيحصل إذا تم رفع سعر المازوت حقاً؟ وما هي انعكاسات ذلك الرفع على الاقتصاد الوطني والمواطنين؟ ومن سيتحمل كلفته النهائية؟ خبز الاقتصاد اليومي هو محورنا هذه المرة فماذا عنه؟

المواطن أول الخاسرين دائماً

منذ أشهر وهيئة تخطيط الدولة تشهد مناقشات مغلقة من أجل رفع الدعم عن مادة المازوت وإيجاد طريقة ما لتعويض المتضررين من ذلك الرفع، فالمخططون يدركون تماماً أن هناك خاسرين كثيرين من جراء القيام بهذه العملية لكنهم بالوقت نفسه مصممون على المضي بها لتحقيق نتائج حسابية مالية ايجابية لموازنة الدولة، من أجل إمدادها بموارد مالية جديدة لتقليل عجزها، ورغم الوعود الإعلامية التي قطعتها الحكومة على نفسها بعدم المساس بأسعار مادة المازوت إلا أن الشكوك ما زالت تدور حول نيتها برفع أسعارها خلال الأشهر القادمة، وذلك انطلاقاً من أن رئيس الحكومة كان قد وعد علناً بتحسين الوضع المعيشي للناس في مؤتمر اتحاد نقابات العمال بدمشق، وفي التالي مباشرة رفعت أسعار الأسمنت والبنزين، مخترقة ذلك الوعد حتى القاع، وهنا يتجدد تماماً مأزق الفكر الاقتصادي السوري الذي لا يبحث إلا عن التوازنات المالية ويهمل التوازنات الاجتماعية، فالنتائج التي رتبها رفع سعر الأسمنت على قطاع العقارات ومواد البناء كانت نتائج كارثية ودعمت وتضافرت مع ارتفاعات الأسعار الأخرى لتضمن التراجع الاجتماعي والمعيشي لعشرات آلاف الناس وذلك فقط بسبب اعتماد الحكومة على الحسابات المالية، واليوم وفي حال تم رفع سعر المازوت فإن الأزمة ستتجدد، بل وستتعمق أكثر من قبل ومما لا شك فيه أن أول الخاسرين من ارتفاع أسعاره هي الطبقات ذات الدخل المحدود من موظفي القطاع العام وعمال وأصحاب المهن الحرة، وستكون الخسارة مركبة، الجهة الأولى منها خسارة مباشرة بسبب ارتفاع أسعار المازوت نفسه، والجهة الثانية هي خسارة ناتجة عن ارتفاعات أسعار السلع الأخرى التي يدخل المازوت في إنتاجها، وهذه السلع هي طائفة كبيرة جداً ولا حصر لها، وبالتالي لن يستطيع ذوو الدخل المحدود تحمل هذه الارتفاعات إلا على حساب تراجع مستواهم المعيشي، وتقليص إنفاقهم على العديد من السلع، أي بتراجع دخولهم الحقيقية، خاصة إذا ما عرفنا أن أسعار الوقود والإضاءة والمياه قد زادت على المستهلك خلال السنوات الخمس الماضية بنسبة 22%. في حين أن ذوي الدخول المرتفعة لن يتأثروا كثيراً بهذه العملية، وبالتالي فإن مثل هذه العملية ستعمق الانقسام الطبقي أكثر في المجتمع وخاصة في ظل عدم وجود طرائق تعويض اقتصادية مناسبة للطبقات الاجتماعية الخاسرة من هذه العملية، مما يعني ضغطاً اجتماعياً أكثر على تلك الطبقات في الوقت الذي لا تحتاج فيه سورية ولا تحتمل مزيداً من الضغوط الداخلة والخارجية، وقد لا تحتمل مزيداً من نتائج التفاوت الطبقي اقتصادياً وسياسياً.

الغموض ثم الغموض

في حال أقرت الحكومة رفع أسعر المازوت فإنها لن تقدّم للشارع الأسباب الحقيقية الكامنة وراءه مثلما لم تحدد بشكل مقنع الأسباب الحقيقية لرفعها أسعار الأسمنت والبنزين، فما هي دوافع الحكومة الاقتصادية والاجتماعية للقيام بمثل هذه الخطوة؟ هل هي إعادة توزيع الدعم لمستحقيه يا ترى؟ أم هل هي إعادة توزيع الدخل بين طبقات المجتمع؟ أم هل هي حركة مالية لإنقاذ خزينة الدولة من تراجعها المالي؟ كل هذه الأسباب قد تطرحها الحكومة مستقبلاً لتبرير رفعها لأسعار المازوت ولكن تبقى الحقيقة أن الحكومة وصلت إلى هذه المرحلة وهذه السياسة بسبب التراخي الذي عاشته طيلة عقود ماضية وبسبب عدم وجود حسابات مستقبلية في جعبتها لمثل هذه الأيام، فاليوم تستورد سورية ما يقارب نصف احتياجاتها من المازوت من الخارج حسب تصريحات وزير النفط الجديد مؤخراً وهي التي تملك ملايين البراميل من النفط الخام، وقد كانت الشركة العامة للمحروقات قد قدرت حاجة القطر الفعلية من مادة المازوت لعام 2005 بـ6.6 مليون طن وبزيادة قدرها 5% عن عام 2004  أمنت الشركة من هذه الكمية 3.7 مليون طن في حين استوردت الباقي ( أي أننا استوردنا 44% من استهلاكنا المحلي من المازوت)،  وبالفعل فقد استوردت سورية في عام 2005 حوالي 3 ملايين طن وهذا الاستيراد لن يتوقف أبداً بل سيزيد في عشر السنوات القادمة لأن معدل زيادة استهلاك المازوت في سورية لن يقل عن 5% سنويا، بسبب الزيادة السكانية وزيادة عدد السيارات وزيادة المشاريع الاقتصادية، والسؤال الأساسي الآن هو لماذا يستورد بلد منتج للنفط المازوت من الخارج؟ وبالتالي لماذا يستنزف هذا الاقتصاد ثروته لاستيراد المحروقات؟ الإجابة على هذا السؤال ترتبط بعاملين أساسيين الأول هو مستويات إنتاج النفط الخام والثاني هو الطاقة التكريرية لمصفاتي حمص وبانياس.

 تشير بعض الدراسات الحديثة جداً في قطاع النفط أن الإنتاج الحالي من النفط الخام في سورية يصل إلى حوالي 445 ألف برميل في اليوم وأن هذا الإنتاج في انخفاض مستمر وأنه في حال عدم وجود اكتشافات نفطية جوهرية جديدة فإن إنتاج النفط سينخفض ليصل في عام 2015 إلى 250 ألف برميل في اليوم في حين أن الاستهلاك الداخلي سيصل إلى حوالي 400 ألف برميل يومياً، وبالتالي سيكون الاقتصاد في عجز مقداره 150 ألف برميل في اليوم بعد عشر سنوات من الآن الأمر الذي يرجح أن يصبح الاقتصاد  السوري مستورداً صافياً للنفط بالإضافة إلى أن يصبح مستورداً صافياً للمازوت والسبب الأساسي في استيرادنا المستمر للمازوت هو أن الطاقة التكريرية لمصفاتي حمص وبانياس لا تسمح لهما بتكرير أكثر من 245 ألف برميل نفط يوميا رغم أنهما تعملان بأقصى طاقتهما التكريرية وناتج تكرير هذه الكمية من المازوت والبنزين لا تكفي أبدا للاستهلاك المحلي وبالتالي يقع الاقتصاد في عجز يغطيه عن طريق الاستيراد. يضاف إليها أن تكلفة التكرير في سورية مرتفعة نسبياً وذلك لارتفاع نسبة الفاقد والاستهلاك الذاتي لمصفاتي حمص وبانياس، فالمشكلة الأساسية هي في العقلية التي لم تجدد وتطور المصافي أو لم تبنِ مصافي جديدة لزيادة الطاقات التكريرية من أجل سد الطلب والتصدير بدلاً من وصول الحال إلى استيرادنا إياه، فكلفة التطوير الشامل لمصفاة حمص بشكل جزئي وحسب تقدير مدير عام شركة مصفاة حمص تقدر بـ 835 مليون ليرة وفي حال تم تطويرها بشكل جزئي فإنها ستكلف حوالي 135 مليون ليرة سورية. فهل من المنطقي أن يدفع المواطن الآن فاتورة إهمال حكومي عمره عشرات السنين؟ أو فاتورة انعدام التخطيط الاقتصادي طيلة المدة السابقة أيضاً؟ وإذا كانت خزينة الدولة تُرهق بمليارات الليرات سنوياً بسبب استيراد المازوت فهل الحل الوحيد هو رفع سعره؟ فلو تم ضبط عمليات التهريب بشكل جيد وتم إيقاف هدر المازوت في منشآت الدولة لحققت الحكومة وفراً كبيراً في كميات المازوت المستهلكة ولما اضطرت للتفكير برفع أسعاره أبداً، ولكن العجز عن الإحاطة بهذه المشاكل وحلها قد يدفع الحكومة لاتخاذ إجراء مالي بحت سيضر أكثر مما سيفيد في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة التي تعيشها سورية.

المشكلة أكبر من ذلك بكثير

لن يقتصر أثر رفع أسعار المازوت على قطاع اقتصادي واحد، بل سيدفع الاقتصاد السوري بكامله فاتورة ذلك الرفع، وبدءاً من الخطة الخمسية العاشرة المتعثرة حتى الآن سوف يتأثر معدل النمو الاقتصادي المقترح بأسعار الطاقة، فزيادة أسعار المازوت يعني وبكل بساطة زيادة كلف الإنتاج في كل القطاعات من صناعة وزراعة ونقل وسياحة وغيرها، وبالتالي انخفاض قدرة السلع المحلية على المنافسة الخارجية وخاصة في ظل انخراط سورية في اتفاقات التبادل التجاري مع الدول العربية وتركيا وهي بحاجة إلى تطوير تنافسية سلعها في الأسواق الخارجية بتقليل الكلفة لا بزيادتها فهل هناك حسابات اقتصادية تحدد حجم الخسائر والأرباح في قطاع التجارة الخارجية للاقتصاد السوري؟ يقابل ذلك انخفاض مماثل في قدرتها التنافسية والتسويقية داخلياً بسبب ارتفاع أسعارها من جهة وبسبب انخفاض دخول المواطنين من جهة ثانية بسبب ارتفاع أسعار المازوت نفسه، الأمر الذي يرشح زيادة معدلات التضخم مباشرة وبالتالي انخفاض القوة الشرائية لنقود الخطة الخمسية العاشرة المقبلة بشكل كبير، تلك الخطة التي لم توضح لنا ما هي أسعار الطاقة التي سوف تعتمد عليها من أجل انجاز معدلات النمو الاقتصادي التي تطمح إليها، من جهة ثانية ستؤثر أسعار الطاقة المرتفعة على كلفة الاستثمارات الأجنبية والتي تراهن الخطة على استقدامها من الخارج والمقدرة بـ900 مليار ليرة، فمن وجهة نظر هذه الاستثمارات سيصبح الاقتصاد السوري أقل جاذبية من غيره وخاصة إذا كانت تلك الاستثمارات تعتمد على معدلات استهلاك طاقة مرتفعة جداً، كما أن هذه الاستثمارات لابد وأن تأخذ بعين الاعتبار القوة الشرائية للمستهلك السوري والتي ستظهر على أنها متراجعة باستمرار بسبب الزيادات المستمرة بالأسعار، وارتفاع معدلات التضخم، الأمر الذي يعني من حيث المبدأ خسارة جزء من تلك الاستثمارات إذا تم رفع أسعار المازوت مما سينعكس سلباً على معدل النمو الاقتصادي أولاً وعلى دخل المواطنين أنفسهم ثانياً.

هنا تكمن مقارنة البدائل الاقتصادية والفرق بين النظرة القصيرة الأجل والطويلة الأجل للحكومة السورية، وهنا تكمن مقارنة التكاليف والعوائد الاقتصادية والاجتماعية ومن سيتحملها في الاقتصاد في حال تم رفع أسعار المازوت، وهنا نعرف تماماً إن كان لدى الحكومة استراتيجية تنمية وتطوير اقتصادي أم مجرد حسابات وأرقام على الورق. ويبقى السؤال الأساسي هو: في حال تم رفع أسعار المازوت هل ستربح الدولة ويخسر المجتمع والشعب؟ 

■ أيهم أسد

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.