يوسف البني يوسف البني

مطارح النهب الكبرى في سورية.. كيف تُنهب ثروات الشعب السوري وخيرات البلاد؟ وأين تذهب؟

يعرَّف الفساد على أنه استغلال المنصب والسلطة المخولة لأحد الأفراد، أو استغلال علاقة أو قرابة لأفراد في السلطة لخدمة المصالح والمنافع الشخصية، والسطو على أكبر قدر من الثروات بتسخير كل الظروف والقوانين لتأمين ذلك. ويعتبر الفاسدون أنفسهم فوق القانون وأقوى من السلطة، ويساند بعضهم بعضاً. أما في سورية فإن الفساد ظاهرة سياسية بامتياز، وارتبطت على مر السنين بالمنصب الإداري الحكومي على مختلف المستويات، حتى أصبحت وكأنها مشرعنة بالفطرة أو بشكل بديهي، وهناك فاسدون كبار أثروا على حساب الخزينة العامة للدولة وثرواتنا الوطنية ولقمة عيش السواد الأعظم من شعبنا الذي ازداد فقراً وتشرداً، ومن الفاسدين الكبار مَن بنى إمبراطوريته التجارية من خلال استغلال العلاقات والقرابة من مسؤولي الدولة، ووظف هذه العلاقات من أجل الحصول على تراخيص حصرية للاستثمارات التي تركزت في القطاعات الريعية الخدمية ذات النفع الخاص، والتي لا تنعكس عائداتها نمواً اقتصادياً على الصعيد العام، وأهم القطاعات التي تم استغلالها للريع الشخصي هي قطاعات الاتصالات والنفط والمصارف والتجارة ومشاريع البنى التحتية، ومن الفاسدين من حصل على تراخيص حصرية لتمثيل شركات أجنبية في سورية، أو أسس شركات وهمية للفوز بعقود تنفيذ مشاريع أو تراخيص الاستيراد والتصدير.

الخصخصة نهب شامل للثروة الوطنية

تعددت وجوه وأشكال الخصخصة في سورية، واتبعت الحكومة في ذلك طرقاً وأساليب ومسالك عديدة، لكنها في النهاية تؤدي لتنفيذ هدف محدد واحد، هو هدر الثروة الوطنية وتسخيرها لمصلحة فئة قليلة من الفاسدين والبرجوازيين الطفيليين، وذلك إما عن طريق البيع المباشر لمنشآت وملكية قطاع الدولة للقطاع الخاص المحلي أو الأجنبي، ونقل الملكية من الدولة للقطاع الخاص يعني خرقاً فاضحاً للدستور بنقل ملكية الشعب، التي هي ثروة اجتماعية، إلى أفراد خاصين. أو عن طريق إقامة مشاريع استثمار مشتركة مع القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي لتطوير مؤسسات أو منشآت للدولة وتوسيعها، وإحداث الجديد منها، أو تعهيد إدارة هذه المنشآت والمؤسسات للقطاع الخاص المحلي أو الأجنبي، مثل المرافق السيادية الهامة كالمرافئ والمطارات والطرق والمياه وغيرها، وإن الهدف النهائي للخصخصة بأشكالها المختلفة، هو تحجيم دور الدولة وحجب رعايتها عن مواطنيها وضرب وزن وتأثير قطاع الدولة والعاملين فيه، وزيادة غنى الأغنياء في دورة نهب طفيلي شديدة الوطأة على الحياة المعيشية للمواطنين تزيد وتعمق من مستويات الفقر والبطالة.

وقطاعات أخرى تعرضت للنهب أيضاً

استغل الكثير من رؤساء البلديات ومجالس المحافظات وأعضاء المكاتب الفنية فيها طوال عقود، مناصبهم ووظائفهم للإثراء غير المشروع، وذلك بالإتجار والإضرار بأملاك الدولة، أو بالسماح بالبناء المخالف وغض النظر عن التجاوزات للمخططات التنظيمية، وحتى ضمن مدينة دمشق، إضافة إلى الأطراف البعيدة عن الرقابة والتنظيم، ففي محافظة مدينة دمشق وحدها تمت إشادة أكثر من 300 ألف ملحق على الأبنية السكنية الطابقية، فمقابل ماذا تم السماح بإشادة هذه الملاحق؟! وأين عائداتها؟! وإلى جيوب من ذهبت؟! وهناك أبنية جديدة مخالفة للمخططات التنظيمية تمت إشادتها في الوجائب والفسحات الهوائية بين الأبنية السكنية أيضاً، كيف تم السماح بذلك؟! ومقابل ماذا تم التجاوز ومخالفة المخططات التنظيمية والعمرانية؟! ومن يقف وراء هذا الفساد الكبير؟!

لقد بات مطلوباً اليوم إجراء مسح واسع لثروات جميع المحافظين ورؤساء البلديات وكبار الفنيين الحاليين، والذين تعاقبوا على تشويه صورة جميع المحافظات ونهبها وابتزاز سكانها طوال أكثر من أربعة عقود، وحصر ثرواتهم التي ستكون هائلة دون أدنى شك، ومن ثم مصادرتها وإعادتها إلى الخزينة العامة، وتحويل الأحياء منهم إلى المحاكمة لإنزال أشد العقاب بهم على كل نهبهم الكبير وإساءاتهم التاريخية للوطن والمدن والمناطق والبلدات السورية وأحزمتها الخضراء وللأملاك العامة والخاصة..

 

النفط.. ثروة مسروقة

شهد السوريون على مدى سنوات طويلة الكثير من عمليات النهب السافرة للأموال والثروات العامة، وبشكل مبهم وغير شفاف سمعوا عن سرقات يقوم بها المتنفذون، أو عن تهريب أموال وثروات طائلة يقوم بها المناط بهم حمايتها وإدارتها لمصلحة مجموع الشعب، من مسؤولين كدَّسوا ثروات هائلة في أرصدتهم الخارجية، على حساب الخزينة العامة المنهكة والأمن الاقتصادي والغذائي، الأمر الذي يهدد بانهيار خطير للاقتصاد الوطني، وبالتالي يهدد الوحدة الوطنية الداخلية، ويسبب المعاناة ويصعب لقمة العيش على المواطنين السوريين، الذي عانوا ومازالوا يعانون، من ازدياد درجات الفقر والبطالة والغلاء والرشوة وسوء الخدمات، وكان من الممكن تجنب كل هذه الأزمات لولا عمليات السطو على أهم الثروات الوطنية النفط.

فعلى هذا الصعيد قامت شركات نفط أجنبية حاصلة على امتياز تطوير مجموعة من حقول النفط في سورية، منها حقول تشرين وعودة والشيخ منصور، بجملة من المخالفات بمساعدة بعض المتنفذين والمسؤولين في وزارة النفط والشركة السورية للنفط. وقد كانت هذه الشركات قد ظفرت بهذه الامتيازات بعد إغلاق الطريق أمام شركات النفط الروسية، وفجأة قيل إن هذه الشركات صاحبة الامتياز قد باعت امتيازاتها، مع أنها ثروات طائلة حصلت عليها بأبخس الأثمان، ووقعت عقد بيع استثماراتها إلى شركة صينية.

جاء في التفاصيل أن وزارة النفط كانت قد نشرت عام 2002 إعلاناً يتضمن رغبتها بتنمية وتطوير أربعة حقول نفط هي حقل تشرين وعودة وكبيبة والشيخ منصور، وقد حصلت إحدى الشركات التي كانت مجهولة حينها،وظهرت فجأة على الساحة النفطية، والتي اسمها الحقيقي هو (تانجانيكا)، على عقد تنمية وتطوير حقل عودة في العام 2003، ثم حصلت على عقد أخر لتنمية وتطوير حقلي تشرين والشيخ منصور في عام 2005، وبعد مرور ثلاث سنوات أي في عام 2008 أعلنت الشركة صاحبة الامتياز بالاستثمار عن بيع استثمار ستة حقول لمصلحة شركة (سانيابيك) الصينية بقيمة ملياري دولار أمريكي، وهذا ثمن بخس مقارنة بالأرباح اليومية المحققة والأرباح المأمولة، خاصة إذا عرفنا أن الاحتياطي المتوقع في هذه الحقول يتجاوز 4.5 مليار برميل، وهو أعلى من الرقم المعلن عن حجم الاحتياطي النفطي الكلي في سورية، كما أن النفط المؤمل في هذه الحقول يصل إلى 2.8 مليار برميل، أما النفط المحتمل فيتجاوز عتبة 3.7 مليار برميل، ليصبح المجموع أكثر من 11.3 مليار برميل نفط خام في هذه الحقول فقط. استيضاحاً للصورة

من أين ظهرت هذه الزيادة لتصبح الحقول الستة على ساحة الاستثمار؟! ومتى تم التعاقد عليها، ومتى وكيف جرى الإعلان عنها؟! وهل تم ذلك أصلاً؟! لماذا هذا التعتيم الكامل على العائدات النفطية السورية وكمية الاحتياطي وأماكن تواجده؟! ولماذا لم تدخل عائداته الكاملة لدعم خزينة الدولة؟! والأهم من ذلك كله هل يحق للشركة المستثمرة بيع استثماراتها ومناطق الحقول بشكل غير سليم؟! مع أنها هي بالأساس حصلت على امتياز الاستثمار ضمن ظروف مبهمة، وقد باعت استثمار حقول عودة وتشرين شرق وتشرين غرب والشيخ منصور والشيخ سليمان وجرايبي، فكيف أصبح حقلا الشيخ سليمان وجرايبي متضمنين في عقد الاستثمار؟! هل تم التعاقد عليهما بشكل قانوني؟ أم تم منحهما للشركة الأجنبية مجاناً مقابل مشاركتها في العائدات أو مقابل جهودها المخلصة في سرقة خيرات شعبنا ووطننا؟

وتتوارد إلى الأذهان مباشرة مجموعة من الأسئلة: لماذا تتخلى هذه الشركة المشبوهة عن هذه الثروات الطائلة التي تجني من ورائها المليارات؟! وما هي ظروف وملابسات مجيئها المفاجئ إلى سورية للاستثمار في قطاع النفط؟! وما الذي دفعها للهرب؟! من الذي أخافها ويضغط عليها ويشاركها في أرباحها من المتنفذين الكبار في سورية؟! وهل اختلفوا على توزيع الحصص؟! وما هي الدوافع التي تقف وراء تصريح المسؤولين في وزارة النفط وفي الشركة السورية للنفط وادعاءاتهم عن ضآلة حجم الاحتياطي من هذه الثروة الوطنية الأغلى والأهم، وزعمهم بأنها ثروة آخذة بالنفاد ولم يبق منها ما يُعتمَد عليه في رفد خزينة الدولة؟! هل سرقوا عائداتها وشاركوا الشركات الأجنبية لاستخراجها وحرمان الشعب السوري من هذه العائدات الضخمة؟!

 

حقيقة الأمر.. المخفية

قال باحث اقتصادي سوري إن الاحتياطي الجيولوجي للنفط في سورية يصل نحو 23.9 مليار برميل، منها 6.8 مليار برميل قابلة للإنتاج، وقد تم حتى الآن وخلال عقود طويلة استخراج أكثر من نصفها، أي حوالي 3.8 مليار برميل، وجاء في تقارير دولية أن الاحتياطي الجيولوجي للغاز يبلغ نحو 680 مليار م3 منها 396 مليار م3 قابلة للإنتاج، وقد تم استخراج نحو 25% منها حتى عام 2004، وقال الباحث الاقتصادي السوري إن حجم الإنتاج الحالي من النفط يقدر بحدود 400 ألف برميل يومياً، ما يعني أن النفط المتبقي سيزود سورية باحتياجاتها لمدة 20 سنة قادمة، وأكد أن هناك إمكانية كبيرة لاكتشاف مصادر نفطية إضافية، حيث توجد مناطق شاسعة لم يتم فيها الحفر للاستكشاف، ولم تجر فيها دراسات سايزمية معمقة. ونظراً لانعدام الشفافية تراودنا هنا بعض الشكوك والتساؤلات، فربما تكون هذه المناطق قد استُكشِفت وأضيفت إلى ما تم بيعه تحت الطاولة، وخرجت أساساً من الاحتياطي الاستراتيجي السوري.

يبلغ حجم الإنتاج اليومي من النفط السوري حوالي 385 ألف برميل أي بحدود 140 مليون برميل سنوياً، تبلغ قيمتها وسطياً حوالي 106 مليار ل.س، تستأثر الشركات الأجنبية المستخرِجة بنسبة 47% منها، أي حوالي 49.8 مليار ل.س. ومن هنا نلاحظ أنه لم تم توظيف هذه العائدات الضخمة في الدورة الاقتصادية لتمكنا من القضاء على ظاهرتي الفقر والبطالة بشكل كامل، وتحسن مستوى المعيشة اليومية للمواطن السوري، إلى الدرجة التي يمكن معها تعزيز الشعور بالانتماء والمواطنية الحقة، ما يقوي ويدعم أواصر الوحدة الوطنية الداخلية، ويحقق الأمن الاقتصادي ضد القوى المتربصة داخلياً وخارجياً.

 

قطاع الاتصالات مزراب الذهب الأكبر

خرج الجزء الهام والأكبر من قطاع الاتصالات من الدائرة الاقتصادية الوطنية، وتركزت أرباحه الكبيرة في أيدي شخصيات محددة، شكلت خلال سنوات قليلة ثروات هائلة، وكانت تُدخِل إلى الخزينة العامة مجرد فُتات من أرباحها الخيالية. وتسيطر شركتا الخليوي سيرياتيل وMTNعلى سوق الاتصالات الخليوية في سورية منذ أكثر من عشر سنوات، وكان مجموع ما دخل خزينة الدولة منها على مدى هذه السنوات العشر، وهو حصة المؤسسة العامة للاتصالات من نسبة الإيرادات وضريبة الدخل، حوالي 300 مليار ل.س، وتشكل نسبة 50% من مجموع الإيرادات للشركتين المشغلتين، وتفيد الإحصائيات أن عائدات سيرياتيل عام 2009 فقط بلغ حوالي 48.2 مليار ل.س، وعائدات شركة MTN بلغت حوالي 39.7 مليار ل.س، أي بمجموع حوالي 87.9 مليار ل.س، كانت حصة المؤسسة العامة للاتصالات من إيرادات سيرياتيل حوالي 22.7 مليار ل.س، ومن إيرادات MTN 18.5 مليار ل.س، أي بمجموع 41.2 مليار ل.س، وكانت ضريبة الدخل على سيرياتيل 1.68 مليار ل.س، وعلى MTN حوالي 449 مليون ل.س، أي بمجموع حوالي ملياري ل.س.

أما في العام 2010 فقد وصلت إيرادات قطاع الاتصالات الخليوية إلى نحو 96 مليار ل.س، وتجاوزت أرباح الشركتين المشغلتين 15 مليار ل.س، وكل هذه العائدات تذهب إلى جيوب مستثمري هاتين الشركتين، علماً أننا إذا أردنا توظيف هذه الأرباح في مجال التشغيل وخلق فرص عمل للحد من البطالة، وبما أن خلق فرصة عمل جديدة، وحسب إحصاءات المنظمات الدولية، يكلف تقريباً 2.5 مليون ليرة سورية، فإن الأرباح وحدها قادرة على تشغيل 6 آلاف عاطل عن العمل سنوياً، وفي الاعتماد على الأرقام الرسمية نجد أن هذه الأرباح تحقق 30 ألف فرصة عمل سنوياً، أي ما يعادل 50% من الفرص السنوية المدرَجة في الخطط الخمسية والتي تلحظها الموازنة العامة للدولة، وفي أغلب الأحيان تعجز عن تحقيقها أو تتجاهل ذلك عن عمد.

من هنا نرى أن عائدات قطاع الاتصالات الخليوية والمؤسسة العامة للاتصالات والشركات المشغلة للإنترنت والشركات الأخرى الناشطة في هذا القطاع، كان من المفروض أن يشكل جزءاً لا يستهان به من الناتج المحلي الإجمالي. ومن هنا يأتي السؤال المشروع: لماذا لا يكون قطاع الاتصالات الخليوية، وباعتبار أنه تم البدء باستثماره من أموال الدولة، مؤسسة عامة تابعة للدولة مباشرة، لها مجلس إدارة يعمل على اتخاذ القرارات والترتيبات اللازمة لإدارة هذا القطاع، فتكون الإدارة والإيرادات بمجملها لخزينة الدولة ولدعم الاقتصاد الوطني، بدلاً من أن تصب في جيوب شخص أو اثنين من المستثمرين؟! ومن هنا أيضاً نرى ضرورة جدية السير في تأميم هذا القطاع الهام بشكل يحقق مصلحة الشعب، ويُبقي عليه متطوراً ومنفتحاً، وفي هذا عدل للجميع، فحينذاك ستكون الدولة قادرة على إعادة الدعم للمواطنين، واستعادة دورها الرعائي بشكل مريح، شريطة أن يتم الضرب بجدية على مطارح الفساد وبشكل حقيقي لاسترداد مال الشعب للشعب.

 

وليس آخراً

لاشك أن مطارح النهب الكبير أوسع مما ورد بكثير، ولكن المقام لا يتسع لإيرادها جميعاً، ولكن من الضروري الإشارة في هذه العجالة أن جزءاً واسعاً من فاقد النهب يتركز في النهب الطفيلي وما يرافقه من عمولات هائلة التي ما انفك يحصل عليها كبار المسؤولين والمتنفذين في قطاعات مختلفة مستفيدين من مناصبهم وسطوتهم غير مبالين بالمصلحة العامة والمال العام، وما عمولات بيروقراطية جهاز الدولة في كل الأحوال إلا جزء من كعكة نهب عظيم تحصل عليه البرجوازية الطفيلية.

وكذلك هناك عمليات التهريب المختلفة التي يشرف عليها أو يقوم بها أو يحاصص عليها بعض المسؤولين وخاصة في المنافذ الحدودية والجمارك، وقد تبدأ المهربات بالسلع البسيطة، ولا تنتهي بالمخدرات والأسلحة والأموال والنفايات النووية!..

فبعد كل ذلك.. هل هناك من يستغرب لم وصل الاحتقان الاجتماعي إلى الحد الذي يتجلى التعبير عنه اليوم في المظاهرات والاحتجاجات التي تملأ البلاد؟!