_
حمام زاجل بين تولستوي ومحمد عبده

حمام زاجل بين تولستوي ومحمد عبده

في ربيع عام 1904 وصل إلى مسامع العلامة الشيخ محمد عبده (1849 - 1905) مفتي الديار المصرية, خبر سعي تولستوي لتأليف كتاب عن الإسلام. ومع بعد المسافة الجغرافية بين الرجلين, استطاع محمد عبده بفطنته واتساع أفقه المعرفي واتصاله المتين بثقافة عصره إدراك المفاصل الأساسية في فكر تولستوي الفلسفي.

كان من عادة تولستوي التمهل في إصدار كتبه, حيث تأخر صدور الكتاب خمس سنوات بعد وفاة الشيخ محمد عبده. عنوان الكتاب (حكم النبي محمد) حيث انتخب تولستوي واحداً و تسعين حديثاً نبوياً مترجماً إلى اللغة الروسية تتكامل مع رؤيته وفكره الفلسفي. وشفعها بمقدمة متقنة عن حياة النبي محمد. وصدر هذا الكتاب عن سلسلة المفكرين الرائعين من جميع الأزمنة والشعوب، نشرة بوسريدنيك، عدد762، موسكو، مطبعة فيلده، عام1910م.وقد كتب الشيخ محمد عبده رسالة إلى تولستوي يشكره فيها على مبادرته الطيبة هذا نصها:
(أيها الحكيم الجليل مسيو تولستوي, لم نحظ بمعرفة شخصك ولكننا لم نُحرم التعارف مع روحك, سطع علينا نور من أفكارك, وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك, ألفت بين نفوس العقلاء ونفسك. هداك الله إلى معرفة سر الفطرة التي فطر الناس عليها ووقفك على العناية التي هدى البشر إليها, فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت ويثمر بالعمل ولأن تكون ثمرته تعباًً ترتاح به نفسك وسعياً يبقى به ويربي جنسه وشعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة وبما استعملوا قواهم التي لم يمنحوها إلا ليسعدوا بها فيما كدّر راحتهم وزعزع طمأنينتهم. ونظرت نظرة إلى الدين مزقت حجب التقاليد, ووصلت بها إلى حقيقة التوحيد ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ما هداك الله إليه, وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه فكما كنت بقولك هادياً للعقول كنت بعملك حاثاً للعزائم والهمم, وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي بها الضالون كانت مثالك في العمل إماماً يقتدي به المسترشدون, وكما كان وجودك توبيخاً من الله للأغنياء كان مداداً من عنايته للضعفاء الفقراء. وإن أرفع مجد بلغته وأكبر جزاء نلته على متاعبك في النصح والإرشاد هو هذا الذي سماه الغافلون بالحرمان والإبعاد, فليس ما حصل لك من أرباب الدين سوى اعتراف منهم أعلنوه للناس أنك لست من القوم الضالين. فاحمد الله على أن فارقوك في أقوالهم كما كنت فارقتهم في عقائدهم وأعمالهم. هذا وإن نفوسنا لشيقة إلى ما يتجدد من آثار قلمك فيما تستقبل من أيام عمرك وإنا نسأل الله أن يمد في حياتك ويحفظ عليك قواك ويفتح القلوب لفهم قولك ويسوق النفوس إلى التأسي بك في عملك والسلام)
هذه الرسالة موجودة في متحف تولستوي وبجانبها ترجمة إنكليزية لنص الرسالة العربية مؤرخة في الثاني من شهر نيسان عام 1904 ميلادية. بخط المستشرقة الإنكليزية آن بلنت (1837 - 1917) وهي سيدة مثقفة ورحالة جريئة و مؤلفة كتاب ( رحلة إلى نجد, مهد القبائل العربية) الذي تروي فيه أحداث هذه الرحلة المضنية من دمشق إلى حائل في أواخر القرن التاسع عشر عندما لم يكن من وسيلة للتنقل سوى الخيول والجمال. و هي حفيدة الشاعر الإنكليزي اللورد بايرون وزوجة الشاعر الإنكليزي ولفريد سكاون بلنت الذي أمضى شطراً من حياته في الشرق الأوسط. وهو صاحب كتاب ( التاريخ السري لاحتلال الإنكليز لمصر) وقد ارتبط بعلاقة صداقة مع الشيخ محمد عبده. وأغلب الظن أن أخبار تولستوي كانت تصل إلى الشيخ محمد عبده من خلال هذه الصداقة. وقد قرأتُ معلومة لا أستطيع تأكيدها. وهي أن أحد أبناء تولستوي زار مصر سنة 1904 وهي السنة عينها التي كتب فيها الشيخ محمد عبده رسالته إلى تولستوي, وقد يكون أبن تولستوي حملها إلى والده في روسيا. والرأي الآخر أن الصديق المشترك لكل من تولستوي ومحمد عبده السيد (س.ك.كوكرين) هو الذي نقل هذه الرسالة.
ردَّ ليف تولستوي برسالة لطيفة مكتوبة باللغة الفرنسية موجودة بجانب رسالة الشيخ محمد عبده في متحف تولستوي يقول فيها: (صديقي العزيز ... تلقيتُ خطابكم الكريم, وها أنا أسارع في الرد مؤكداً امتناني من هذا الخطاب الذي أتاح لي الاتصال برجل مستنير برغم اختلاف عقيدته عن العقيدة التي نشأتُ وتربيتُ عليها. وأظن أن العقائد تختلف لكن الدين واحد. آمل ألّا أكون قد أخطأتُ إذا افترضتُ من واقع خطابكم أن الدين الذي أُدين به هو دينكم, والذي يرتكز على الاعتراف بالله وشريعته في حب الغير, وأن نتمنى للغير ما نتمناه لأنفسنا. وأعتقد أنه كلما كثرت العقائد في الأديان وامتلأت بالأوهام والخرافات ساعد ذلك على تفرقة البشر وخلق العداوات بينهم. وكلما كانت الأديان بسيطة, اقتربت من هدفها وهو وحدة الناس جميعاً, وهذا ما جعلني أقدر خطابكم وأود استمرار الصلة بيننا. وتقبل مني يا عزيزي المفتي محمد عبده كل التقدير والاحترام. ليف تولستوي الثاني عشر من شهر أيار 1904م)