تحوّلت فرنسا في الأيام الماضية إلى ساحة احتجاج شاملة، ووصلت أعداد المشاركين في 5 تشرين الثاني إلى أكثر من 1.6 مشارك، الأرقام الكبيرة هذه وعدد الاحتجاجات، وكل ما رافقها، تشكّل جزءاً محدوداً من المشهد، فالاحتجاجات يمكن أن تتراجع وتضعف، لكن ذلك لا يلغي حقيقة ما يجري داخل المجتمع، وتحديداً في صفوف حركة فرنسا الأبية وبين صفوف مؤيديها.
بتت التطورات الأخيرة اتجاهاً واضحاً بازدياد شعبية الحركة بشكلٍ ملحوظ، وبحسب بيانات رسمية عنها، انضم إلى صفوفها أكثر من 27 ألف داعم منذ مظاهرات أكتوبر الماضي، والحركة تعمل فعلياً على تفعيل هؤلاء الداعمين والمتطوعين في نشر برنامجها السياسي، وكسب التأييد حوله، وتحديداً بين فئات الشباب، إذ يمكن أن تحصل الحركة في أي انتخابات قادمة على أكثر من 40% من أصوات الشباب بين 18 و24 عاماً، بحسب آخر المسوحات، وهو ما يبدو واضحاً من خلال اللقاءات الجماهيرية الواسعة التي تنظمها «فرنسا الأبية» ويلقي فيها جان لوك ميلانشون خطابات أمام عشرات الآلاف من الشباب.
تعمل «فرنسا الأبية» خلال الاحتجاجات بشكلٍ واضح على كسب تأييدٍ أكبر، واستقطاب عشرات الآلاف من الشباب، لكن المسألة الأهم: أنّ تنظيمها قادر على تفعيل هؤلاء بأشكال متعدد، فالحركة تعتمد حالياً على 400 ألف داعم مسجل، شارك منهم أكثر من 100 ألف متطوع في حملات ميدانية وتوزيع مناشير خلال الانتخابات الأوروبية والبرلمانية في صيف 2024 ثم زجّت الحركة بثقل كبير في مظاهرات أكتوبر الماضي.
إن الثورة الفرنسية أسست فعلياً لإسقاط الملكيات والإمبراطوريات في كامل أوروبا، وكان تأثيرها واضحاً ومباشراً، وإن التقييم الموضوعي للوضع داخل فرنسا الآن يكشف وضوحاً: أنها الأكثر تطوراً من حيث القوى السياسية وقدراتهم التنظيمية، ما يجعلها أقرب للتغيير من غيرها، المثير للانتباه، أن حركة «فرنسا الأبية» تعبّر فعلياً عن مزاجٍ عامٍّ يقدّم فعلياً وصفة كاملة بديلة عن نظام الحكم القائم، وتستطيع الشعارات التي ترفعها هذه الحركة استقطاب شرائح واسعة، حتى من خارج صفوفها التقليديين، وهو ما عمل عليه ميلانشون بشكلٍ واضح من خلال استحضار شخصية ديغول، الذي يرى فيه صاحب ذهنية متمردة، ومدافعاً عن استقلال فرنسا، ورافضاً للهيمنة الأمريكية، ما يجعل هذا الخطاب مركز استقطاب. ولكن ميلانشون يقدم الحركة بوصفها أشمل وأوسع من ذلك بكثير، ما يمكن أن يحولها إلى نقطة تقاطع، تجمع تياراً من الوطنيين الفرنسيين، من اليمين والوسط، الذين يريدون دوراً كبيراً للدولة، ويريدون قراراً مستقلاً، بعيداً عن التبعية للولايات المتحدة، وهيمنة بروكسل، لكنه يتجاوز هؤلاء بكسب جمهور عريض من المحرومين والفرنسيين، الذين يُحرمون من الثروة لصالح قّلة مستفيدة.