Skip to main content

القمة الروسية الأفريقية... شراكة استراتيجية

 |  قاسيون  |  عربي دولي

تعكس القمة الروسية الأفريقية الثالثة، التي استضافتها موسكو يومي 28 و29 تشرين الأول، تطوراً يتجاوز حدود التعاون الاقتصادي والتجاري، لتندرج ضمن تحولات أوسع في النظام الدولي، مع تصاعد التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب، وتزايد مساعي الدول الأفريقية لتعزيز استقلال قرارها السياسي والاقتصادي وتوسيع هامش حركتها الدولية.

وتكتسب القمة أهميتها من اتساع المشاركة، مع تأكيد 48 دولة أفريقية حضورها، في مؤشر على استمرار اهتمام القارة بتنويع شراكاتها الدولية، وعدم حصر علاقاتها بالقوى الغربية التقليدية. وتلتقي هذه الرغبة مع الاستراتيجية الروسية الساعية إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات، وتوسيع حضورها في مناطق كانت الهيمنة الغربية تحدد إلى حد كبير طبيعة علاقاتها الدولية.
اقتصادياً، برز هدف رفع التبادل التجاري من أكثر من 27 مليار دولار إلى 50 ملياراً، إلى جانب الإعلان عن وصول حصة الروبل إلى 85% من التسويات التجارية الروسية الأفريقية. ولا تقتصر أهمية هذه المؤشرات على حجم المبادلات، بل ترتبط بمحاولة بناء آليات مالية وتجارية أقل ارتهاناً للنظام الغربي، بما يعزز قدرة الدول على تنويع خياراتها الاقتصادية، وتقليص أثر العقوبات الدولارية إلى الحدود الدنيا.
كما تناولت النقاشات إنشاءَ لجان حكومية مشتركة، وإزالة الحواجز التجارية، وحماية الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير مشاريع الطاقة خاصةً في مجال الطاقة النووية، بالإضافة إلى مجالات النقل والزراعة والصناعة، بما يؤسس لعلاقات أكثر استدامةً وتكاملاً.
وتبرز أهمية هذا المسار في أنه يمنح أفريقيا فرصاً أوسع للتفاوض وتعدد الشركاء، بينما يوفر لروسيا مجالاً لتعزيز نفوذها الدولي. فالمسألة لا تتعلق باستبدال تبعيةٍ بأخرى، بل بإعادة توزيع مراكز التأثير وفتح المجال أمام نظام دولي أكثر تعبيراً عن التوازنات الفعلية، وقدرة الدول الأفريقية على المشاركة في صياغة قواعده.