لقاء طهران الحقائق العنيدة تضرب مجدداً!
بسرعة ودون الكثير من التمهيد الإعلامي استضافت العاصمة الإيرانية طهران في 26 تشرين الأول اجتماعاً استثنائياً مع أطراف اتفاقيّة مكة، اللقاء حطّم كل الأوهام التي ضخّها الإعلام و«المحلِّلون السياسيّون» خلال الأسابيع الماضية، ومع ذلك ظلّ أصحاب النظرة المحدودة يشكّكون ويحاولون رسم طبيعة اللقاء وأهدافه بحسب أهوائهم، فما الذي جرى فعلاً؟
سبق أن تحدثنا في «قاسيون» ومنذ الإعلان عن اتفاقية مكّة أننا أمام نشوء نظام أمني إقليمي جديد، بعد أن فرض التراجع الأمريكي ذلك على الجميع الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لتجاوز الخلافات البينية بغية تدعيم السواتر الإقليمية بوجه الأعاصير القادمة.
الهدف من اللقاء
انتهى اللقاء ببيان مقتضب وعددٍ من التصريحات التي كانت كافية لتأكيد طبيعة ومغزى هذا اللقاء، ففي الوقت الذي تطرح بعض الأطراف أن هدف الزيارة كان تحذير إيران، يظهر وضوحاً أن ما جرى في طهران كان في اتجاه آخر تماماً.
تألَّف الوفد الثلاثي من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، ووزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان. والتقوا في طهران بكلٍّ من الرئيس مسعود بزشكيان، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ما يكشف عن المستوى الرفيع لهذه المباحثات وطبيعة القضايا المطروحة؛ التي تشمل الأمن الإقليمي والملفات الساخنة في غرب آسيا وتحديداً الحرب في اليمن، والحرب على إيران، ومستقبل مضيق هرمز، إلى جانب التهديدات «الإسرائيلية» المتزايدة. أيْ أنَّ اللقاء بحد ذاته يهدف فعلياً إلى عملٍ جادّ ومعلَن لبناء تفاهمات مشتركة تراعي مصالح جميع الأطراف، وتُسرِّع من عملية الاستعداد الجارية للمرحلة اللاحقة. وخصوصاً أنّ هذه الزيارة جاءت ضمن سلسلة من التطورات المفهومة، إذ كان اللقاء الرباعي الإسلامي في إسطنبول قد ثبّتَ رؤية هذه الدول المشتركة وحدّدَ «إسرائيل» كأكبر مزعزع للاستقرار في الإقليم، وكان لا بدَّ من التنسيق مع إيران بدلاً من محاولة تجاهلها والقفز فوقها، ويبدو أن باكستان أدّت دوراً محورياً في عقد هذا اللقاء.
رأى المسؤولون الإيرانيون فرصةً مناسبة لعرض طرحٍ شامل لما يمكن أن تقدِّمه طهران لتفاهمٍ أمني/إقليمي من هذا النوع، فأعلن بزشكيان استعداد بلاده للمشاركة في مسار «تحالف مكة» والانضمام إليه، ورأى في اتفاقية مكة فرصةً لتجاوز الخلافات بين الدول الإسلامية، بالإضافة إلى إعلان الرئيس الإيراني عن استعداد إيران للمساعدة في إنهاء الحرب مع الحوثيين والوصول إلى تفاهمات، وأكد في الوقت ذاته على مكانة السعودية وإمكانية أن تؤدّي دوراً محورياً في جمع كلمة المسلمين.
فالدول التي اجتمعت في طهران، تدرك جيداً أن القوات الأمريكية طرفٌ غير موثوق ولا يمكن الاعتماد عليه في تأمين الأمن الإقليمي، وتحديداً كون الولايات المتحدة كانت المسؤول المباشر عن معظم الحروب التي أشعلت غرب آسيا في العقود الماضية، وهم لذلك مجبرون على إيجاد بديلٍ يُخلَق محلياً بدلاً من الاعتماد على الخارج، وهي مسألة كافية كأساس لبناء هذه المنظومة الأمنية الجديدة.
الاعتراف الأمريكي الصريح
شاع بين السياسيين الأمريكيين استخدام عبارة شهيرة تقرّ بأن «الحقائق أشياءُ عنيدة» لكنَّ «تلاميذَ واشنطن» ومؤيديها لم يستطيعوا فهمَ معنى هذه الجملة حقاً، وواظبوا في كثير من الأحيان على رفض حقيقة التراجع الأمريكي ورفض أنَّ الولايات المتحدة لم تعد قادرةً على أداء دورها السابق، رغم أنّ شخصيات دبلوماسية وسياسيين أمريكيين أقرّوا في مناسبات متعدّدة بهذه الحقيقة، كان آخرها ما قاله توم باراك سفير الولايات المتحدة لدى تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سورية والعراق، في لقاء منتدى الدوحة للسلام العالمي يوم 20 تشرين الأول 2026، فباراك قال أثناء مشاركته في الدوحة إنّ استراتيجية الولايات المتحدة في غرب آسيا تشهد تحوّلاً جذرياً، إذ لم يعد مبدأ «الأمن مقابل النفط» يناسب الولايات المتحدة، ورغم تأكيده على تمسك الولايات المتحدة في الحضور في المنطقة إلا أنّه أشار إلى أنّ التوجّهَ الأمريكي الجديد يدفع دول غرب آسيا لبناء ترتيبات أمنية إقليمية خاصة. باراك وغيره من المسؤولين الأمريكيين وإن كانوا يقرّون بأن واشنطن لم تعد «الضامن الأمني الحصري» يميلون لتصوير هذه التحولات بوصفها «رغبة أمريكية» بدلاً من الاعتراف بأنّها انعكاسٌ لموازين القوى الجديدة، فالموارد التي سمحت وسهّلت دور «شرطي العالم»
لم تعد وافرة كما كانت سابقاً، وهي اليوم شحيحة تجبر واضعي السياسات الأمريكيين على إعادة توزيعها وتنظيمها، و لأنَّ الحقائقَ أشياءُ عنيدةٌ فعلاً، سيكون إدراكُ هذا الواقع مَمرّاً تاريخياً إجبارياً.
بالاستناد إلى ما سبق يمكن الإشارة أيضاً إلى تصريحاتٍ مهمة أدلى بها وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في جامعة كامبريدج منذ أيام، إذ بيّن أنَّ اعتماد دول الخليج المفرط على القوى الخارجية والولايات المتحدة لفترة طويلة قوّض قدرة المنطقة على تشكيل ترتيبات أمنية مستقلة ممّا عقَّدَ المشكلات الإقليمية، وأضاف أيضاً أنّ مسؤولية تصميم وتنفيذ هيكل أمني إقليمي جديد يجب أن تتحمل مسؤوليتَه دولُ الخليج بشكلٍ أساسي، ونبّهَ إلى أن أي هيكل أمني لا يشمل إيران هو بطبيعته غير مستقر وغير سليم بنيوياً.