انتهت الانتخابات «الإسرائيلية» وثُبتت النتيجة المتوقعة، فليس هناك حالياً معسكر يستطيع تشكيل الحكومة بشكلٍ سلس، ما يعني أن الاحتمالات لا تزال مفتوحة، ويمكن توقع أي شيء، مثل: تقارب بين قوى تبدو متنافرة، أو حتى الفشل في تشكيل الحكومة والعودة إلى الانتخابات مجدداً.
بلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات 77.9% وهي الأعلى منذ 1999 لكن هذه المشاركة الواسعة ثبتت الاستقطاب الحاد، وانتهت الانتخابات، وحصل بموجبها معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، بينما حصل تحالف معسكر المعارضة على 48 مقعداً، وأحرزت الأحزاب العربية 19 مقعداً، ما يجعل الآن فرصة تشكيل الحكومة مرهونة بتكتيكات صعبة، فإما التحالف مع الأحزاب العربية، أو العمل على شق صفوف المعسكر المنافس، واستقطاب أحزاب محددة، ما يجعل سقوط نتنياهو احتمالاً وارداً.
ورغم ارتباط نتنياهو خلال سنوات طويلة بأذهان شعوب المنطقة بكل أشكال الجرائم الممكنة، إلى تلك الدرجة التي يراه البعض تجسيداً مادياً للصهيونية، لكن المشكلة أن سقوط نتنياهو لا يعني سقوط الصهيونية، وتحديداً، إذا ما نظرنا إلى تاريخ الكيان منذ الإعلان عنه وحتى اليوم، فالسياسة الصهيونية ظلّت ثابتة، وإن تغيير الحكومة لن يغير السياسات، بل قد تتجه الأمور إلى مزيدٍ من التصعيد، لأن رئيس الحكومة ليس المتحكم الوحيد في التصعيد، بل إن العدوانية المفرطة ستكون حتماً الصفة الملازمة «لإسرائيل» في الفترة المقبلة.
إن فكرة قيام «إسرائيل» كانت أساسية لمنع نشوء علاقات طبيعية في المنطقة، وكانت تستهدف منذ البداية ضرب أي محاولة حقيقة لبناء فضاء اقتصادي وسياسي واحد في غرب آسيا، ونجحت فعلياً في تنفيذ ذلك، لكن المشكلة المركبة اليوم: أن الدول الأصيلة في المنطقة تدرك أنّها تحتاج أكبر قدر ممكن من التعاون وبناء شبكات أمنية واقتصادية مشتركة إلى جانب حل الخلافات، وهذا يضع ضغطاً كبيراً على «إسرائيل» كونها العائق الأساسي أمام هذا التوجه، لذلك فإن المخرج الوحيد الممكن نظرياً بالنسبة لـ «إسرائيل» هو المزيد من العدوانية والحروب التوسعية، ومحاولة تفجير كل الدول الموجودة في المنطقة، وضرب بعضها بعضاً، ومن هذه الزاوية تحديداً، لا يختلف نتنياهو عن أي سياسي صهيوني آخر، الاختلافات ستكون فعلياً ببعض التفاصيل.
«إسرائيل» تحاول أن تتأقلم مع الظرف الدولي الجديد، وتسعى فعلياً لامتصاص آخر قطرة مساعدة يمكنها أن تحصل عليها من الولايات المتحدة، لكنها تدرك أيضاً أن الهامش الزمني محدود، والحرب رغم خطورتها تظل الخيار الوحيد الممكن، وهو ما يجعلها مصدر التهديد الأساسي، ولم يعد بالإمكان اليوم أن تحقق دول الإقليم تقدّماً حقيقياً، إن لم يُحيّد الخطر
الصهيوني، وهو ما نرى توافقاً حوله، لكن لا تزال أدواته قيد التشكّل.