Skip to main content

«الرباعية» من إسطنبول: نعرف أعدائنا جيداً

 |  علاء أبوفرّاج  |  عربي دولي

استضافت تركيا في 23 و24 تشرين الأول الجاري اجتماعاً للمجموعة الرباعية الإسلامية، التي تضم كلّاً من باكستان والسعودية ومصر بالإضافة إلى تركيا، وعقد المجتمعون لقاءاً مع الترويكا الأوروبية (فرنسا - بريطانيا - ألمانيا) بمشاركة إيطاليا. إنّ هذا اللقاء، وإنْ بدا اعتيادياً، يحملُ موقفاً إقليمياً جامعاً يعبّر عن نفسه بشكلٍ أوضح من أيّ وقتٍ مضى.

إذا انطلقنا من القوى الإسلامية الأربعة، التي كانت عقدت اجتماعاً سابقاً في آذار من العام الحالي، وأعلنت عن مستوى جديد من التنسيق الجماعي حول المسائل الإقليمية التي تشكّل موضع اهتمامٍ مشترك، ولكي نفهم الصورة بشكلٍ أوضح ينبغي التذكير أن 3 أطراف من أصل 4 يشكّلون الآن اتفاقية مكّة للدفاع المشترك التي أعلن عنها لاحقاً بغياب مصر، ومن هذه الزاوية يظل فهم العلاقة بين هذه الأطراف مسألة أساسية للإجابة على سؤال بسيط: هل هناك توافق إقليمي عام حول القضايا الأساسية المطروحة؟ 
 إنّ إثبات وجود توافق بين القوى الإقليمية الإسلامية في المنطقة يحتاج للانطلاق من الممارسات وليس فقط من الشعارات التي يمكن رفعها، لكن الشعارات نفسها تعكس في كثيرٍ من الأحيان تطورات في مواقف أصحابها، ويجب أيضاً ألا ننسى أن الحديث عن موقف إقليمي موحد لا يجب أن يستثني إيران، فهي وإن كانت ليست طرفاً في الرباعية الإسلامية أو اتفاقية مكّة فهي قوة إقليمية، ونحتاج لفهم التقاطعات مع الأطراف الأخرى، ويمكن ذلك من خلال إجراء بعض التقاطعات البسيطة.


 «إسرائيل» مصدر عدم الاستقرار


إن التطور الملفت في بيان «الرباعية» كان الإشارة إلى «إسرائيل» بشكلٍ واضح بوصفها المصدر الأساسي لحالة عدم الاستقرار في الإقليم، وجاء في نص البيان الختامي المشترك ما يلي: «شدد الوزراء على أن الاحتلال الإسرائيلي يشكل المصدر الأساسي لعدم الاستقرار في المنطقة وخارجها» ورفض وزراء الخارجية في بيانهم سياسات «إسرائيل» داخل الأراضي المحتلة وتحديداً الاستيطان في الضفة الغربية. إعلان هذا الموقف يتقاطع فعلياً مع موقف طهران، التي رأت دائماً «إسرائيل» سبب عدم الاستقرار في الإقليم، لكن ما ينبغي الوقوف عنده أن أطراف اتفاقية مكة والرباعية الإسلامية يشيرون هذه المرة إلى مصدر الخطر الذي يهددهم، ويحسمون بذلك جدلاً بدأ من توقيع اتفاقية مكّة، فـ «إسرائيل» بالنسبة لهذه الأطراف تمارس مستوى غير مسبوق من العدوانية مع الجوار وتشكّل تهديداً للأمن الوطني لكل دول المنطقة دون استثناء فضلاً عن أنّها تروّج بشكلٍ رسمي لمشروع «إسرائيل الكبرى» الذي يطالب بأجزاء من أراضي الدول المجاورة! ويجعل تجاهل الخطر «الإسرائيلي» أشبه بانتحار جماعي. إعلان هذا الموقف لا يكفي بالطبع لإنهاء الخطر ولكنّه يعكس أن «التنسيق والمشاورات» الجارية في الإقليم تركّز على مسألة أساسية ويجري ذلك في شكل مرن يسمح بإشراك الدول بغض النظر عن الأطر، سواء كان اتفاقية مكّة أو الرباعية الإسلامية أو منظمة التعاون الإسلامي...إلخ


إيران والمسائل الأخرى


إن الأطراف التي اجتمعت في إسطنبول بما فيها الأطراف الأوروبية تأثرت بشكلٍٍ كبير من الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» ضد إيران، ورغم أن السعودية كانت الأكثر تحفظاً في هذه المسألة، إلّا أن بيان الرباعية أشار إلى نقطة مهمة؛ فوزراء الخارجية الأربعة أقروا أنّه لا يمكن إنهاء هذا الصراع إلّا عبر الطرق السياسية والدبلوماسية، وصّرح وزير الخارجية التركي لاحقاً أن أي عمل عسكري جديد ضد إيران لا يعد حلّاً و «لا يحظى بتأييد أحدٍ حالياً». وأضاف فيدان أن الدول المشاركة في اجتماع مجموعة «آر 4 + إي 3» متفقة على أن شن هجوم جديد على إيران سيؤدي إلى اتساع رقعة الحرب والصراع في المنطقة مجدداً. من جهة ثانية أشار البيان الختامي للمجموعة الرباعية إلى دعمه لمذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة التي انسحبت منها واشنطن بعد التوقيع عليها، لنكون بذلك أمام إعلان مشترك يتناقض مع التوجّه الأمريكي ويتفق مع التوجّه الإيراني، فطهران وافقت على مذكرة التفاهم ولا تزال ترى فيها أساساً ممكناً للحل، وترفض أيّ محاولة أمريكية لفرض شروط جديدة لا تعبّر عن التوزان على الأرض.

تساهلت دول الإقليم كثيراً خلال عقودٍ مضت وتبنت سياسات فرضت عليها وأضرت بمصالحها، فبدلاً من أن تعبّر الأنظمة عن مصالح شعوبها كانت غارقة في مصالح ضيقة وخاضعة لدرجة كبيرة لإملاءات أمريكية، ما بات يهدد اليوم استقرار هذه الدول ويقلل من قدرتها على مواجهة التقلبات الكبيرة الجارية، فجميع الأطراف تدرك أنّها أمام اختبارٍ حاسم؛ إما تنجح وتحافظ على وحدتها واستقرارها، أو تواجه احتمالات مفتوحة لاضطرابات قادمة.
نستطيع الآن أن نضع الخطوط العريضة في الموقف من الحرب على إيران و«إسرائيل»، ونرى أن الخلافات مع إيران ليست بالحجم الذي يجري تصويره، ويظهر أيضاً أن الخلافات البينية الموجودة حتماً توضع اليوم في قائمة المسائل المؤجلة بينما يجري العمل على بناء منظومة إقليمية جديدة مستقلة وتعرف أعداءها جيداً.