Skip to main content

الصراع على وعي الشارع الفرنسي

 |  قاسيون  |  عربي دولي

لم يكن من الصعب على متابع تغطية التظاهرات في فرنسا أن يلحظ تقاطعاً بين سردية الإعلام السائد وخطاب اليمين المتطرف: تتقدّم صور الحرائق والتخريب، وتتراجع خلفها أسباب الاحتجاج ومطالبه. وحين تُختزل التظاهرات في «أعمال شغب»، يمكن استخدام مشاهد الغضب الاجتماعي لتهيئة رأي عام يتقبّل القمع المتصاعد. وبالفعل فقد اعتقل منذ السبت الماضي 2700 شخص، وحوكم بعضهم بأحكام نافذة، كما سمح من جديد باستخدام قنابل فض التجمعات التي تسببت بقطع يد تلميذ السبت الماضي. 

في هذا المناخ، تتقاطع مهاجمة اليسار مع محاولة تحميل المهاجرين مسؤولية مشاهد «الفوضى». ويسعى الخطاب اليميني إلى نقل التناقض من العلاقة بين أصحاب الثروة والسلطة وبين المتضرّرين من سياساتهم، إلى تناقض بين فئات المتضرّرين أنفسهم. فيصبح 
العامل المهاجر منافساً للعامل الفرنسي، ويصبح المحتجّ تهديداً لصاحب المتجر، فيما تضغط السياسات الحكومية على حياة الاثنين. وتكتسب هذه المعركة على الوعي وزناً إضافياً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في ربيع 2027.
في الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر عُقد الأربعاء الماضي، شدّد جان لوك ميلانشون، زعيم حركة «فرنسا الأبية»، على أن التحرّك يجب أن يركّز على مطالبه دون أن يسمح باستدراجه إلى العنف؛ فموضوع التظاهر هو مطالب الناس الاجتماعية ورفض سياسات الحكومة، بينما تريد السلطات واليمين تحويله إلى نقاش حول النهب والعنف الشرطي. فالتركيز على مواجهة غلاء المعيشة، وتجميد الأسعار، وتحسين أوضاع الثانويات والجامعات، وتخصيص عشرة مليارات يورو لمطالب المتظاهرين، سيزيد عدد المشاركين، بعدما بلغ السبت 17 تشرين الأول 800 ألف بحسب النقابات. وأكّد ميلانشون أن استراتيجية الحراك الشعبي يجب أن تكون جذب مزيد من الناس للمشاركة، أما العنف وتخويف الناس من المشاركة فهما استراتيجية الحكومة.
ويحدّث ميلانشون الحضور عن أهمية فكرة التنظيم والجدولة الزمنية للاستحقاقات السياسية، فهي التي ترسم خريطة تحرّك المناضل السياسي. فالزمن الاجتماعي الذي يتحدّث عنه ليس زمن المنبّه أو الساعة؛ إنه زمن يتباطأ أحياناً، ويتسارع وينضغط أحياناً أخرى، وينشأ من حياة المجتمع ودورات نشاط الناس السياسي. وأكّد ضرورة وضع أطر لتنظيم الحراك؛ فمن دونها لا يمكن تقييم النجاح، ولا اتخاذ قرار فعّال بالتقدّم أو التراجع ووضع استراتيجيات التفاوض. كما أكّد أهمية التنسيق بين حركة «فرنسا الأبية» والنقابات والتنظيمات الطلابية.
أما مارين لوبان، فأقرّت بمشروعية المطالب الاجتماعية، لكنها اتهمت اليسار الذي وصفته بالمتطرف باحتجازها رهينةً، وحمّلت نواب ميلانشون مسؤولية تبرير العنف، مطالبةً بعقوبات رادعة. ويعقد حزبها «التجمّع الوطني» اليوم مؤتمره العام، بالتزامن مع التظاهرات المقرّرة السبت.
في المقابل، نشرت الحكومة 70 ألف شرطي في محاولة لاحتواء احتجاجات السبت 24 تشرين الأول التي بلغت 800 ألف متظاهر منهم 250 ألف في باريس وحدها بحسب اتحادات نقابات العمال. وقد ذكرت صحيفة «ليزيكو» يوم الجمعة أن الحكومة تعتزم تقديم موعد زيادة الحدّ الأدنى للأجور. كذلك التقى الرئيس، للمرة الأولى منذ بدء الاحتجاجات المدرسية في أيلول، ممثّلين عن طلاب الثانويات، «للاستماع إلى مطالبهم ومخاوفهم»، وفق بيان لقصر الإليزيه.