السعودية وخطر الرياح العاصفة!
إن ما تشهده المنطقة وتحديداً على الجبهة اليمنية يتطور بسرعة ويتحوّل إلى مأزقٍ حقيقي بالنسبة للمملكة السعودية، ما يطرح تساؤلاتٍ لا تكفي المعطيات الحالية لتقديم إجابات ناجزة حولها، لكن نتائج ما نشهده الآن وإن كانت تحمل بعض التباينات لكنّها في الوقت ذاته لا تقدّم مخرجاً آمناً للسعودية في حال استمرت المواجهة العسكرية.
ربما يرتبط السؤال الأكثر إلحاحاً بالدافع الحقيقي وراء البدء بهذه الحرب وكسر الهدنة، أو حتى استمرار التصعيد إلى هذا المدى المقلق. فالحرب كادت أن تتحول خلال أكثر من عقدٍ مضى إلى مشهد اعتيادي في اليمن، إلى تلك الدرجة التي لم يعد يمكننا التفكير بخيارات عسكرية إضافية يمكن أن تخرج نتائج مختلفة، فعددٌ معتبرٌ من الدول ساهمت بشكلٍ أو آخر في هذه الحرب، ولكن الجميع وصل إلى حقيقة واحدة لا جدل حولها، تؤكّد أن الضربات الجوية والقصف العنيف، وحتى وجود قوات عسكرية على الأرض بتسليح ودعم إقليمي ودولي، لم ولن يكون كافياً لإنهاء تنظيم «أنصار الله»، ما يعني أن المخرج الوحيد الممكن نظرياً هو انتهاج مقاربة سياسية وتفاهمات دبلوماسية تنهي الحرب وتعترف بواقع محدد داخل اليمن. لكن هذا لم يحدث حتى اللحظة، وهو يزيد من الأخطار التي تواجه السعودية اليوم، وتحديداً إن أدركنا أن المعارك العسكرية الخاسرة سيكون لها ارتدادات سياسية.
على ماذا يبنى هذا الاستنتاج؟
إن النموذج القائم في السعودية يشبه، بل ربما يتطابق في كثيرٍ من الحالات، عناصر حاسمةً في اقتصادات دول الخليج، والأهم أن مجالات النشاط الاقتصادي الأخرى ترتبط بالميزة التي بدت مطلقةً - حتى فترة قريبة - وهي الاستقرار الأمني والسياسي. لكن الحرب الأخيرة على إيران بدأت تقوّض إلى حدٍ كبير هذه التوصيفات، بل طرحت الحرب أسئلة جديدة حول مدى قدرة هذه الدول على التكيّف مع ظروفٍ كهذه؟ وهل هي قادرة على امتصاص صدمات بهذا الحجم؟!
الجواب يبدو واضحاً في السعودية، فالأخيرة تمتّعت أثناء الحرب بظرف استثنائي عماده موقع السعودية الذي يمنحها دون غيرها من دول الخليج إطلالةً على البحر الأحمر، هذا فضلاً عن أن ضربات إيران داخل الأراضي السعودية كانت محدودة، وظلّت الرياض قادرةً، بعد إجراء تعديلات بسيطة، على ضخ كميات من خامات الطاقة من ميناء ينبع عبر باب المندب وقناة السويس، وهذا قلّل من التداعيات الاقتصادية على الرياض وساهم في الوقت ذاته في تقليل الصدمة داخل سوق الطاقة العالمي، الذي ضمن ضخ ملايين من البراميل عبر ينبع.
لكن وما إنْ بدأت التوترات على الجبهة اليمنية حتى أخذت الأمور منحىً آخر، وبدأنا نشهد اضطراباتٍ في قدرة السعودية على نقل شحنات الطاقة، ثم وصلنا إلى مستوىً جديد استُهدِفَت فيه البنية التحتية النفطية في السعودية.
إنّ كل صاروخ يَخترق الأجواء السعودية، سواء وصل هدفه أم لم لا، يشكّل تهديداً صريحاً لكامل النموذج القائم هناك، بل إن الضربات المركّزة التي تلقتها المملكة حتى الآن برهنت مجدداً على قدرات «أنصار الله» الواسعة في إلحاق أضرار جدّية. ويقدّر بعض الخبراء اليوم أن
البنى التحتية المتضررة ستؤثر بشكلٍ كبير على الإنتاج النفطي السعودي، لا في أثناء الحرب فحسب، بل إلى 5 أو 10 سنوات قادمة، هذا فضلاً عن الفاتورة الضخمة لصيانة هذه المنشآت الحساسة وآثار ذلك على أسعار الطاقة في العالم للسنوات القادمة.
المشكلة بالنسبة للسعودية لا تقف عند الأضرار الاقتصادية، بل تتعدى ذلك إلى تداعيات سياسية كبرى! فالواقع السياسي داخل المملكة، وإن ظلّت المعلومات شحيحة حوله، شهد صدمات كبيرة خلال السنوات الماضية، وهناك حالةٌ من العداء داخل قطاعات واسعة ضمن الأسرة الحاكمة وخارجها مع ولي العهد السعودي الذي عمّل فعلياً على إحداث تغييرات ملموسة في بنية الحكم وطريقة إدارة الملفات الداخلية والخارجية، وبنى مشروعه على مجموعة من الدعائم التي تهتز كلّها الآن بشكلٍ متزامن.
إن حدوث هزّات كبرى داخل السعودية من شأنّه أن يؤثر على الاستقرار الإقليمي وخصوصاً أنّنا لا نستطع الجزم بشكل وطبيعة واتجاه تحولات من هذا النمط، ما يجعل الرياض أمام مخرج آمن وحيد، وهو العمل فوراً على إيقاف هذه الحرب عبر اتفاقات ووساطات يبدو أنّها ممكنة حتى اللحظة، خصوصاً مع وجود مواقف معلنة من أطراف متعددة تبدأ من باكستان وتركيا وتصل إلى روسيا والصين، بل وحتى إيران التي أعلنت على لسان رئيسها استعدادها لأداء دور الوساطة لدفع الأمور إلى السكّة السياسية، وهو ما يبدو ممكناً، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى العلاقات السعودية-الإيرانية بوصفها ثمرة لمبادرة لعبت بكين فيها دور الضامن، ويمكن على هذا الأساس أن تدفع الأخيرة الأطراف كافةً إلى طاولة التفاوض مجدداً.