Skip to main content

السعودية والمخرج الآمن الوحيد!

 |  علاء أبوفرّاج  |  عربي دولي

إن المشهد الإقليمي العاصف لا يتّجهُ إلى التهدئة بعد! بل إلى حالةٍ من الاستقرار السلبي، إن لم يكن مزيداً من التصعيد! لكن حالة السكون هذه، ورغم أن إيران والولايات المتحدة تحافظان على مستوىً منخفض من التصعيد خلالها، إلّا أنّها تشهد تفاعلات مستمرة لا تتوقف، وخصوصاً مع اشتعال الجبهة في اليمن.

بعد تحركات عسكرية أمريكية شملت حاملات الطائرات وقوات إضافية جرى نقلها إلى المنطقة، عاد الحديث مجدداً عن احتمالات تجدد المواجهات، لكن الواقع الميداني الحالي وخصوصاً مع خلاصة الجولة السابقة من التصعيد، هي عوامل تثبِّتُ مجتمعةً استحالة تحقيق نتائج مختلفة باستخدام الأدوات ذاتها.


الواقع العسكري الأمريكي القاتم!


إن قيادة القوات الأمريكية تدرك أنهم يواجهون واقعاً معقداً، فحاملات الطائرات، التي كانت دائماً «فخر» السلاح الأمريكي تبدو قطعةً معدنيةً يصعبُ حمايتها واستخدامها في هذا الظرف، فإن هذه القطع البحرية باهظة الثمن تظلّ مجبرةً على ترك مسافة أمان تبعد نحو 320 كم عن السواحل الإيرانية، إلا أن مدى الطائرات المقاتلة يبلغ نحو 880 كم ما يعني أن الطائرات الأمريكية الحديثة لا تستطيع العمل إلا في عمق 80 كم داخل الأراضي الإيرانية، وهي لذلك مضطرّة لاستخدام صواريخ دقيقة بعيدة المدى، وهو تحديداً ما ينفد بسرعة من مخازن الجيش الأمريكي. إنّ حاملات الطائرات بالإضافة إلى هذه العقبة تعاني أيضاً من صعوبات لوجستية، فأقرب منطقة للتزود بالمؤن والذخائر تبعد 4000 كم بعد أن دمّرت إيران القواعد الأمريكية في الخليج.
من جهة ثانية لا يبدو خيار التدخل البري مطروحاً؛ فرغم وجود نحو 60 إلى 70 ألف عسكري أمريكي في المنطقة إلا أن القادرين على تنفيذ عمليات برية حقيقة لا يتجاوزن 10 آلاف مقاتل في أعلى تقدير، بينما يرى الجنرال المتقاعد باري مكافري أن السيطرة على مضيق هرمز وحده تحتاج 150 ألف جندي ويتوجب عليهم القتال لمدة تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر!


الانتخابات وعوامل الضغط


إن ما عرضناه سابقاً لا يلغي أبداً احتمالات أن تقوم الولايات المتحدة بتصعيد عسكري قبل الانتخابات، لكنّ تصعيداً من هذا النمط لن يكون قادراً على تغيير المعادلة القائمة، بل ربما يزيد الضغط على الولايات المتحدة. من جهة أخرى تؤثر انتخابات التجديد النصفي القادمة على سلوك الإدارة الحالية وتحديداً مع ازدياد حظوظ الديموقراطيين، فترامب وإن كان يدرك أن قلب النتيجة مسألة مستحيلة، إلّا أنّه يسعى فعلياً إلى تحقيق نتائج مؤقتة يمكن استثمارها إعلامياً وتحديداً في أسواق النفط، لكن المشاكل التي يعاني منها سوق الطاقة ليست مشاكل بسيطة، فالمنتجون الأساسيون للنفط يعانون اليوم من ظروف استثنائية إلى جانب اضطرابات في طرق النقل البحري.
إن النظر إلى النتائج الاقتصادية يتجاوز مسألة الانتخابات الحالية في الولايات المتحدة، فالتداعيات بدأت تظهر بعد أن جرى استنزاف الاحتياطيات، وتشهد السلع الغذائية ارتفاعات تصل إلى 30% في الولايات المتحدة إلى جانب الارتفاع الكبير بأسعار الوقود.


ما هو المخرج؟


يبدو أنّ هناك اتفاقاً بين القوى الإقليمية الأساسية في غرب آسيا على قراءة هذه المعطيات لكن الخلافات تظهر أثناء سعي كل طرف للتأقلم مع الواقع الجديد، وهنا يبرز بوضوح المأزق السعودي الجديد.
الحرب التي بدأت في اليمن تحوّلت سريعاً إلى مشكلة حقيقية بالنسبة للرياض وخصوصاً أنه لا يمكن ضمان النصر عبر الخيار العسكري على الحوثيين! بل إن ما يجري هو المزيد من الخسائر للفريق المقابل الذي بات على وشك خسارة ثاني أكبر مدن اليمن. البعض راهن على أن السعودية قادرة على حشد عسكري قادر على مواجهة الحوثيين إما عبر التعويل على الدول الغربية والولايات المتحدة أو التعويل على دول اتفاقية مكّة، لكن الولايات المتحدة اختبرت هذه الحرب سابقاً وخسرتها واضطرّت للانسحاب دون تحقيق أهدافها، ولا يوجد مبرر يقودها إلى الانخراط مجدداً فيها، فضلاً عمّا يمكن أن ينتج عن انخراط كهذا من استنزاف جديد للذخائر. أما بالنسبة لدول اتفاقية مكّة ورغم الإعلان عن تفعيل هذه الاتفاقية إلّا أن موقف أنقرة وإسلام أباد لم ولن يتغير، وليس هناك أي بوادر لانخرط حقيقي في حربٍ كهذه، بل إن التركيز ينصب على الطبيعة الدفاعية لهذا التحالف وهدفه الاستراتيجي لبناء منصة أمنية إقليمية مشتركة تمنع الحرب بدلاً من تأجيجها! ما يدفعنا إلى السؤال الأكبر: ما هي الفاتورة التي ستدفعها الرياض؟ وهل تستطيع النزول عن سلّم التصعيد هذا والاتجاه إلى الطريق الوحيد السالك، الطريق الدبلوماسي؟ أم أنّها ستتورط أكثر في حرب يعلم الجميع نتائجها؟!