غرقت بعض النخب خلال السنوات الماضية في نقاش يتركّز على سؤالٍ بسيط: هل تتراجع الولايات المتحدة؟ إن هذا السؤال رغم أهميته جاء متأخراً، فالقراءة العلمية الدقيقة أثبتت أن هذا التراجع قائم بالفعل منذ أكثر من عقدٍ مضى، لكننا نشهد الآن حالةً فريدةً من الإجماع حول هذه المسألة: الإمبراطورية تنهار وتتفكك، لكن كيف يجري هذا؟ وضمن أيّ آجال؟ وما هي البدائل؟
تقديم إجابة ناجزة لكل هذه الأسئلة ليست مسألة بسيطة، وهناك تعقيدات كبيرة:
الأول: يكمن في أن الولايات المتحدة عملت على ربط كلّ دول العالم بهذه الإمبراطورية عبر شبكة معقدة من العلاقات المالية والاقتصادية والأمنية وغيرها، فتحوّل الدولار الأمريكي مثلاً إلى مكوّنٍ أساسي في الاحتياطات النقدية العالمية، وكانت دول العالم تكدس هذه الدولارات في بنوكها المركزية وتشتري سندات الخزينة الأمريكية، ما قادنا إلى معضلة معقدة؛ انهيار الدولار أو الإمبراطورية التي تصدره يعني أضراراً على الجميع!
أما التقعيد الثاني فيمكن استنتاجه من التاريخ، فانهيار «الإمبراطوريات» هو نتيجة لحرب، ومع الوقت باتت هذه الحروب أعنف وأكبر. فالحرب العالمية الثانية أنهت بريطانيا وغيرها من الدول التي تسيّدت المشهد في تلك الفترة وأفسحت المجال للولايات المتحدة، لكنّها في الوقت ذاته كانت أعنف حرب عرفها الإنسان والحرب الأولى والوحيدة التي جرى فيها استخدام سلاحٍ نووي أفجع العالم حتى اليوم!
يظن البعض أن ما سبق يكفي للقول إنّ هناك شكلاً من «التواطؤ الجماعي»، لكن ما ينبغي التركيز عليه فعلياً هو أننا نقترب أكثر من هذه اللحظة، لكن عبر عملية جراحية دقيقة، تتفكك فيها أركان «الإمبراطورية» المتداعية بأقل قدرٍ ممكن من الأضرار حتى الآن، وإنّ القوى التي حجزت موقعاً متقدّماً في المستقبل كانت قبل غيرها مدركةً لضرورة إدارة الصراع كون تقليل الأضرار هو الضامن الوحيد لتجنّب الحرب وإنزال الولايات المتحدة عن كرسيها بهدوء نسبي.
إدارة الصراع بهذا الشكل ليست تواطؤاً بقدر ما هي إدارةٌ حكيمة، وفهمٌ للقوانين الموضوعية، وسعيٌ للتعامل معها دون العمل على ليّ ذراع التاريخ. إن هذه الطريقة الدقيقة هي الضامن الوحيد لتجنيب البشرية صداماً دموياً، وإن كان احتماله لا يزال قائماً إلّا أنّه يضعف يومياً. وأثناء هذا التحوّل تظهر البدائل وتتضح ملامحها، ما نعرفه عنها أنّها لا تنظر اليوم إلى التجربة الأمريكية إلا بوصفها تجربةً فاشلة لا تُشجّع لاستنساخها بل إن ما نحتاجه هو نموذج جديد لا يقع في أخطاء الماضي.