من مدرسة ثانوية على أطراف باريس انطلقت شرارة المظاهرات التي تعمّ فرنسا. ففي 17 أيلول الماضي، أضرب المعلّمون احتجاجاً على نقص الكوادر والموارد، ولحق بهم تلاميذهم في اليوم التالي، مضيفين إلى المطالب قضية التفاوت بين مدارس الضواحي والعاصمة، فتحوّلت الشرارة إلى حراك خرج دعماً له مئات الآلاف مطلع تشرين الأول.
فماذا جرى لفرنسا، إحدى دول الرفاه الاجتماعي؟ لقد أتاحت العلاقات الاستعمارية لهذه الدول الوصول إلى الموارد وتحقيق فوائض اقتصادية لكن موازين القوى بدأت تتغيّر. فبين 2022 و2025، أنهت مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد والسنغال الوجود العسكري الفرنسي الدائم على أراضيها. وكانت النيجر وحدها مصدر نحو 20% من واردات فرنسا من اليورانيوم الطبيعي بين 2012 و2022، قبل تأميم سوماير التي كانت أورانو الفرنسية تملك أغلبية أسهمها. وفي مالي وبوركينا فاسو، تعزّزت سيطرة الدولة
على مناجم الذهب أيضاً. وتزامن تراجع النفوذ مع الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة؛ فقفز متوسط سعر الغاز المستورد إلى فرنسا بنحو 191% في 2022 مقارنةً بـ2021، في سياق تقليص الإمدادات الروسية.
وفي الداخل، يتزامن الحراك الطلابي مع التحضير لمناقشة الموازنة الجديدة. ومع وجود الناس في الشارع ستخرج أرقام التعليم والصحة والسكن من جداول الحساب إلى ميزان الأولويات السياسة كاشفةً الاصطفافات الطبقية للحكومة والأحزاب. دعمت «فرنسا الأبيّة» الحراك ودعت إلى حمايته وتوسيعه نحو الحركة العمالية، مستحضرةً تجربة 1968. أما «التجمع الوطني» بقيادة مارين لوبان، فشدّد على الأمن والاستقرار واتّهم اليسار بتأجيج الاحتجاجات، مع إقراره بمشروعية بعض المطالب. وأعلنت الحكومة تعبئة نحو ثلاثة آلاف مدرّس إضافي ووعدت بإصلاحات بينما يزداد تنظيم الطلاب يوماً بعد يوم.
في أنحاء أوروبا تتراكم أسباب الغضب، ويضيق هامش الحلول الترقيعية كلما اتّسعت موازنات الحرب وضاقت الخدمات العامة. فالمدرسة التي أشعلت الاحتجاج لم تخلق الأزمة لكن حين تضيق الصفوف بالطلاب تتسع الشوارع لأسئلتهم.