تبدو التحركات التي تشهدها تونس وكأنها تسير في مسارين منفصلين؛ الأول اجتماعي تقوده مطالب الشغل وتحسين الأوضاع المعيشية، والثاني سياسي تقوده أحزاب وقوى معارضة تطالب بتغيير المسار القائم واستعادة الحريات. غير أن استمرار الأزمة الاقتصادية والسياسية يدفع المسارين نحو التقاطع، بما يجعل كلّاً منهما قادراً على تغذية الآخر وتوسيع نطاق تأثيره.
فقد بلغت البطالة في تونس 15% خلال الربع الأول من عام 2026، في مؤشر على عمق الأزمة الاجتماعية. وفي هذا السياق، يواصل مئات العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا «مسيرة الكرامة»، مطالبين بتفعيل القانون المتعلق بالانتداب الاستثنائي في القطاع العام، بعدما منعتهم الشرطة من مواصلة طريقهم نحو العاصمة وقصر قرطاج. ولا تقتصر دلالة هذه التحركات على المطالبة بفرص العمل، بل تعكس أيضاً اتساع الفجوة بين تطلعات فئات اجتماعية واسعة وقدرة السياسات القائمة على الاستجابة لها.
في المقابل، تسعى ثمانية أحزاب معارضة إلى ربط تدهور الأوضاع المعيشية بتراجع الحريات والأزمة السياسية، داعية إلى تجاوز مسار 25 تموز 2021، وطالبت فيه بإطلاق سراح سجناء سياسيين وسجناء الرأي وموقوفي التضامن مع فلسطين، ووقف المحاكمات المرتبطة بالأنشطة السياسية والمدنية وضمان حقوق السجناء. كما أعلنت دعمها للمسيرة المرتقبة في 17 تشرين الأول دفاعاً عن الحريات والشغل والقدرة الشرائية.
ورغم اختلاف دوافع المحتجين وأدوات القوى السياسية، فإن استمرار الضغوط الاجتماعية يمنح الخطاب المعارض أرضية أوسع، فيما قد توفر التحركات السياسية إطاراً لتجميع المطالب الاجتماعية وتحويلها إلى ضغط أكثر تنظيماً.
إن التحدي القادم هو عدم الاكتفاء بهذا التلاقي بل الانطلاق منه نحو طرح برامج وطنية تعبر عن مصالح الشعب التونسي وتكسر حالة الاستعصاء السياسي.