Skip to main content

اليمن… البحث عن المخارج السياسية

 |  علاء أبوفرّاج  |  عربي دولي

تزداد سخونة المشهد في غرب آسيا، فإلى جانب المعارك المتواصلة في اليمن، عادت الولايات المتحدة لحشد قواتها مجدداً في منطقة الخليج، في حالة يصعب فيها الجزم في طبيعة الخطوة القادمة، لكن الأكيد أن ذلك كلّه يجري في ظلّ ضغوطٍ اقتصاديةٍ متزايدة تتحوّل سريعاً إلى عاملٍ لا يمكن أبداً إغفاله.

إن هذه الحرب حتى عندما تنخفض شدّة ضرباتها العسكرية تتعقد أكثر فأكثر، ويحاول كلّ طرفٍ فيها تثبيت أقدامه أكثر على الأرض والإمساك بأوراق قوّته، فطهران حرصت منذ الساعات الأولى للحرب على السيطرة على مضيق هرمز وإغلاقه، وكان هذا جزءاً من استراتيجيةٍ أُعدّت بشكلٍ مخصوص لهذا السيناريو، ولم يعد هناك ضرورة للحديث عن أهمية المضيق في الحياة الاقتصادية في العالم، فهذه كلّها مسائلُ واضحة وتحوّلت ورقة المضيق بالفعل إلى واحدة من أهم الأوراق التي تملكها إيران.


الديزل والسباق مع الوقت


يواجه العالم أزمة حقيقية من نقص الديزل الذي يعد أحد أهم العناصر التي تضمن حركة الاقتصاد ونقل البضائع وغيرها، إن هذا النقص يعكس مستوى الضغط الذي خلقته هذه الحرب، فبعد أن كانت الأزمة محدودة في حركة النقل عبر هرمز، وصلت الآن لتشمل المصافي وأنابيب نقل النفط في المنطقة، ما يعني أن العالم يتّجه إلى أزمة خانقة، فحتى الضغط الأمريكي على الأوروبيين لإخراج احتياطيات الديزل التي يملكونها ستؤدي فعلياً إلى تضخيم الأزمة أكثر، فإن ملايين براميل الديزل ستختفي من السوق بسرعة إذ إن النقص بأقل تقدير هو مليون برميل من الديزل يومياً، ما يعني أن 120 مليون برميل التي سيقدمها الاتحاد الأوروبي من الاحتياطي ستنتهي بسرعة ولكنّها ستترك أوروبا أضعف وأكثر هشاشة، حالها حال الولايات المتحدة التي استنزفت جزءاً كبيراً من الاحتياطي النفطي.
إن هذه النظرة لأسواق الطاقة مقلقة لأنّها تشير إلى الاحتمالات المحدودة المتبقية، ويعني أن الولايات المتحدة لا تملك ما يكفي من الوقت قبل أن تستسلم!


اتفاقية مكّة و«العصف الذهني»


إن الضغط الاقتصادي الكبير يزيد من الضغط الميداني لأن الآجال ليست مفتوحة، وهناك خطر حقيقي من المساعي الأمريكية-«الإسرائيلية» لجر دول المنطقة للدخول في مواجهة مفتوحة ومباشرة فيما بينها أو مع إيران، وهذا المخرج الوحيد من المأزق الأمريكي-«الإسرائيلي» ويجري العمل عليه بسرعة. لهذا كان التصعيد في اليمن مقلقاً؛ فبعيداً عن تحديد المسؤوليات كان من الواضح أن الانجرار إلى هذه المعركة لن يكون في مصلحة السعودية، وربما يزيد عليها الضغط بشكلٍ غير مسبوق، ما يمكن أن ينتج خطوات غير متوقعة! بل إن البعض سارع لاستنتاج أن أطراف اتفاق مكّة سيدخلون في مواجهة مباشرة في اليمن ستقود الإقليم إلى انفجار واسع.
لكن ما جرى مؤخراً هو أن وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار كشف أن هناك مقترحات قدّمتها إيران، تفتح المجال للبحث عن مخرج سياسي للأزمة في اليمن بدلاً من المواجهة العسكرية، دار قال إن لجنة التنسيق السياسي والدفاعي لاتفاقية مكة ستناقش وتدرس هذا المقترح في اجتماعها المقبل في الرياض. وأضاف وزير الخارجية الباكستاني أن اعتماد هذا المسار الدبلوماسي أو السياسي لن يتم اعتماده إلا بعد التشاور والتوافق بين الأطراف الثلاثة للاتفاقية. والمثير للانتباه أيضاً هو أن التصريحات الباكستانية وضّحت أنّه لا يوجد بعد اتفاق أو مقترح مكتوب، وإنما مجرّد «عصف ذهني» بين وزراء الخارجية.
هذا «العصف الذهني» الذي يتحدّث عنه الجانب الباكستاني يؤكد الاتجاه الذي توقّعته «قاسيون»؛ فإن المصلحة العميقة لجميع أطراف اتفاقية مكّة تفرض عليهم البحث عن حلول دبلوماسية لهذا الصراع بالذات، كونه يمكن أن يتحوّل إلى استنزاف طويل الأمد لقدراتهم، وكان من البديهي القول في حينه إنّ أي حديث عن حل دبلوماسي في هذه المسألة لا يمكن أن يتم دون إيران، فهذه الأخيرة ورغم إصرارها على أن الحوثيين هم من يملكون قرارهم، إلا أنّها لم تقل أبداً إنّها غير قادرة على أداء دور في رأب الصدع بين السعودية والحوثيين، وهو ما تكرر على شكل إشارات خجولة خلال الأسابيع الماضية حتى وصل إلى ما ذكرناه الآن.
معنى هذا أن قوى تعمل فعلياً على سحب كل أدوات التفجير الأمريكية، وتدرك خطر الانجرار إلى تصعيد غير محسوب يتحوّل إلى تشويش عن المسألة الأساسية الملحّة؛ وهي بناء نظام أمن إقليمي شامل ومتماسك دون المظلة الأمريكية المهترئة.

إن كلّ ما سبق يعيد تثبيت حقيقة موضوعية لا يجب أن تخضع للأهواء و الاصطفافات المؤقتة، فإن بناء أي نظام أمني شامل للإقليم لا يمكن أن يتم دون وجود إيران، وإنّ أيَّ استبعاد لها من مخطط كهذا يعني ترك ثغرة ونقطة ضعف كبرى في النظام الأمني الجديد، وفي الوقت الذي كانت اتفاقية مكّة بالنسبة للمحللين أداة من أدوات الصراع مع إيران، يتضح اليوم أنّها يمكن أن تتحول إلى مساحة يجري فيها نقاش أفكار إيرانية حول المخارج الآمنة المحتملة، المخارج التي تضمن وحدها استقرار السعودية وتحصينها ضد الأخطار المحدقة.