Skip to main content

السعودية الغرق في المستنقع أم البحث عن المخرج؟

 |  علاء أبوفرّاج  |  عربي دولي

إن التصعيد الخطير الذي شهده الملف اليمني مؤخراً بعد أن بدأت مواجهات موسعة بين السعودية وحلفائها في اليمن ضد جماعة «أنصار الله»، تحوّل سريعاً ليكون تهديداً حقيقياً لا يهدد المنطقة بمزيدٍ من التصعيد فحسب، بل يهدد السعودية نفسها ويهز الأركان الأساسية التي تقوم عليها المملكة. وهو ما طرح سؤالاً حول الاتجاه الذي يمكن أن تتطور وفقه الأحداث.

منذ استهداف مدرج الطيران في مطار صنعاء في 13 تموز الماضي، واتهام الحوثيين الرياض بالوقوف خلف هذا الهجوم، دخلت غرب آسيا في موجة جديدة من التصعيد زادت من سخونة المشهد وزادت أيضاً من الضغوط على الاقتصاد العالمي وتحديداً سوق النفط.
إنّ إشعال هذه الجبهة يبدو مضرّاً بمصالح الأطراف المنخرطين فيه، وتحديداً السعودية التي وجدت نفسها - كما هو متوقع - أمام ظرفٍ شديد الخطورة، بعد أن باتت مصالحها الحيوية تحت نيران الحوثيين الذين يملكون قدرات عسكرية تمكّنهم من إلحاق أضرارٍ كبيرةٍ بالبنية التحتية النفطية السعودية، سواء في مراحل الاستخراج أو التكرير أو النقل. ورغم أن وجود الحوثيين في جنوب السعودية وسيطرتهم على منطقة حيوية استراتيجية كان دائماً مسألةً حساسةً ومرفوضة من قبل السعودية، إلّا أنّ الانجرار الآن إلى مواجهة من هذا النوع يبدو أقرب إلى خطوة غير محسوبة النتائج. فإنّ النموذج السعودي يعتمد حتى الآن على تصدير النفط والاستقرار السياسي والأمني داخل المملكة، ودون هذه الأركان يمكن أن تدخل السعودية في أزمة حقيقية.

فحتى وإنْ تلقّت الرياض دعماً غربياً، لن تستطيع حماية نفسها من التداعيات التي بدأت بالفعل بسبب الاستهداف المتواصل للمصالح السعودية. ومن جانبٍ آخر لا ينبغي إغفال أن الغرب والولايات المتحدة كانوا قد دخلوا في حربٍ طويلة مع الحوثيين لم تحقق أي نتائجٍ ملموسة، بل انتهت بتراجعٍ أمريكي وإعلانٍ عن وقف العمليات العسكرية هناك.
السيناريوهات المطروحة!
إن تفسير ما جرى وأسبابه تظلُّ مسألة شائكة تحتاج إلى بحث ومعلومات غير متوفرة حالياً، لكن إذا ما حاولنا رسم الصورة الراهنة، نجد أنفسنا أمام سيناريوهات مختلفة يجري تداولها.
السيناريو الأول: هو ما جرى اختباره خلال الأسابيع الماضية وأثبت أنه لا يؤمِّن المَخرج، وهو تحديداً التعويل على قوات الحكومة اليمنية في تنفيذ عملية برّية ضد الحوثيين مع تغطية جوية 
كثيفة. لكن النتائج جاءت في اتجاه معاكسٍ تماماً، واستطاع الحوثيون فعلياً توسيع مناطق سيطرتهم وخصوصاً على مضيق باب المندب. بل إنّ الخيار العسكري أصبح يركّز الآن على كيفية الدفاع عن السعودية في وجه الهجمات الحوثية. بعد أن تبيّن أنه لا يوجد متحمّسون للانخراط في حربٍ مع اليمن حتى في واشنطن. المشكلة أنّ الدفاع في ظرفٍ عسكري كهذا، يعني استنزافاً كبيراً جديداً للذخائر الغربية، مع العلم أنّ الحوثيين يمكن أن 
يحافظوا على مستوى عسكري خَطِر حتى مع تقطّع الإمدادات الخارجية.

وخلال الأيام القليلة الماضية تركّزت الأضواء على اتفاقية مكة الدفاعية، بعد أن عقدت قيادات الأركان للأطراف الثلاثة، السعودية وباكستان وتركيا، اجتماعاً لبحث التطورات الأخيرة، وتفعيل هذه الاتفاقية، لكن ما جرى بدا مختلفاً؛ فبالرغم من أن أطراف الاتفاقية مصرّون على أنّهم ملتزمون بالدفاع المشترك، إلّا أننا لم نسمع أبداً عن أيّ نوايا لنشر قوات أو انخراط فعلي في المواجهات الدائرة، فأطراف الاتفاقية يرون أن دورهم مرتبط تحديداً بتأمين مستقبل المنطقة وإنشاء قوّة رادعة لأيّ خطر يهدد استقرارها، ولكن يبدو أنّ إسلام أباد وأنقرة على يقين بأن إيجاد حلّ للحرب الدائرة حالياً عبر الطرق الدبلوماسية يبدو الطريق الأسلم، ويبدو أيضاً أنّهم متيقّنون من وجود إمكانية كهذه.
إن بعض التقارير والتصريحات الأخيرة بدأت تشير إلى أن إمكانية عقد مباحثات سعودية-حوثية أصبحت إمكانية مطروحة حقاً، فالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أطلق تصريحاً مثيراً يوم 26 أيلول الجاري، إذ أعلن استعداد طهران لأداء دور الوساطة بين الرياض والحوثيين، ورغم أن البعض يمكن أن يرى في هذا التصريح مجرّد كلامٍ للاستهلاك الإعلامي، إلّا أنّ هناك ما يدعم هذا الاتجاه بالفعل، فإن عدداً من المحللين والصحفيين السعوديين بدأوا يتحدّثون عن إمكانية التفاوض مع الحوثيين، أو حتى عن خارطة طريق تم التوقيع عليها بين القوات الحكومية والحوثيين في مسقط! لكن ما يدعم هذا الاتجاه هو فعلياً أوسع من ذلك بكثير!

ما هي خيارات السعودية الحالية؟ هل الاستمرار في الحرب هو الخيار السليم؟ يرى الخبير الأمريكي والمستشار في وزارة الدفاع الأمريكية، براندون ويكرت، أنّ: «هذه الحرب هي أكبر خطر وجودي يهدد المملكة» وإنّ الحفاظ على النظام القائم يتطلب إنهاء الحرب فوراً. أما المدير السابق للمركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جو كينت الذي استقال من منصبه بسبب الحرب على إيران، فيصرّ على أنّ «التهديد لا يقتصر على الهجمات العسكرية الخارجية، بل يمتد إلى داخل العائلة الحاكمة، حيث يخشى وليّ العهد محمد بن سلمان من أن يستغل منافسوه وخصومه في آل سعود حالة الفوضى والإخفاق العسكري في اليمن للتحرك ضده والإطاحة به». إنّ ما ذكرناه هو جزءٌ يسير مما يقوله الخبراء الذين باتوا شبه مجمعين على أنّ النتائج الجيوسياسية لهذه الحرب لن تكون في صالح السعودية، وهذا تحديداً ما يجعل احتمال البحث عن مخرج دبلوماسي منطقياً، حتى إنْ لم نرَ بَعدُ مؤشراتٍ حقيقيةً ملموسة تدعمه.