بعد أقل من أربع سنوات على اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب في تيغراي، عادت إثيوبيا إلى المواجهة المفتوحة. ففي 23 أيلول الجاري سيطرت قوات جبهة تحرير شعب تيغراي على مطارات في الإقليم، بينها مطار ميكيلي، واندلعت معارك في عفر وأمهرة، وسط اتهامات متبادلة بشأن الطرف الذي بدأ التصعيد. كما تحالفت الجبهة مع قوى مسلحة أخرى، بينها فانو وجيش تحرير أورومو، في ائتلاف يضم سبع حركات مسلحة، كانت لوقت قريب متحاربة فيما بينها.
الموجة الحالية من التصعيد هي عودة لصراع لم تُحل جذوره. فقد حكمت جبهة تحرير شعب تيغراي إثيوبيا لعقود قبل إقصائها بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، ثم اندلعت حرب 2020-2022 التي قُدّر عدد ضحاياها بنحو 600 ألف شخص، قبل أن يوقفها اتفاق بريتوريا برعاية الاتحاد الأفريقي.
لكن توقيت التصعيد الحالي هو الأخطر. فإثيوبيا تقع في قلب القرن الأفريقي المضطرب، فهي على تماس مع حرب السودان وتدعم قوات الدعم السريع، والتوتر مع إريتريا حول الوصول إلى البحر الأحمر، والنزاع في الصومال ومشروع انفصال صوماليلاند، فضلاً عن الخلافات مع مصر والسودان حول مياه النيل. وقد أعلنت إثيوبيا بالفعل خططاً لثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق، ما يفتح جبهة جديدة للتوتر. والحرب الجارية في اليمن، فقد أعادت إلى الواجهة ميناء عصب الإريتري وطموح إثيوبيا لاستعادة منفذ بحري.
الخطر الحقيقي هو في تداخل هذه الملفات جميعها: تيغراي، إريتريا، السودان، الصومال والنيل. ومن هذه الزاوية تظهر الحرب الإثيوبية ليس بوصفها شأناً داخلياً، بل تتحول إلى شرارة في إقليم تسعى فيه قوى الفوضى والدمار في العالم إلى نشر المزيد من الفوضى والانقسام مستغلة حرارة الحرب والصدامات العسكرية لفتح مزيداً من جبهات القتال بهدف تفتيت الدول وإضعافها.