«بريكس» تقترب من لحظة الصفر
عقدت مجموعة بريكس قمّتها الرئاسية الثامنة عشر في العاصمة الهندية نيودلهي، التي ثبّتت لحظة انتقال المجموعة إلى مستوىً جديد من الفعل بعد أن رسّخت قدرتها على رسم مسار استراتيجي وخطط مرحلية مهمة سابقاً، فما الجديد في هذه القمة؟ وما ضمانات تنفيذه؟
إن النظر في تطور مجموعة بريكس منذ نشأتها الأولى وحتى يومنا هذا يقدّم إجابات على شكل التطور اللاحق، فمنذ برزت الأركان الأربعة الأساسية للمجموعة في بداية الألفية الجديدة «الصين - روسيا - الهند - البرازيل» بوصفهم لاعبين حيويِّين في الاقتصاد العالمي، تنبّه الباحثون إلى قدرة هذه الدول على أداء دورٍ قادم مؤثِّر، وهو ما بدأ في 2006 عندما أعلنوا عن تكتلهم السياسي الرسمي، وبدؤوا بعدها رحلةً دؤوبةً، تحوّلوا فيها من BRIC إلى BRICS بعد انضمام جنوب أفريقيا في 2011 ثم BRICS plus بعد انضمام خمس دول جديدة في 2024 و2025. حتى أصبحت المجموعة تشمل 30% من اليابسة على كوكب الأرض، وتضم نحو نصف سكان العالم، ونصف الاقتصاد العالمي تقريباً، ما يجعلها وزناً أساسياً لا يمكن الحديث عن مستقبل البشرية دون أخذه في الحسبان.
ماذا تريد «بريكس»؟
المشكلة التي تواجه الجمهور العادي عند النظر إلى بريكس هي ببساطة صعوبة وجود مقياس يوضّح بشكلٍ حاسم ما الذي أنجزته «بريكس +» حتى الآن وإلى أين تتجه بالضبط؟
هدف بريكس كان معلناً من البداية: وهو التأسيس لعقدٍ دوليٍ جديد، أو نظام دولي جديد يعكس الأوزان الاقتصادية والبشرية لدول الجنوب العالمي التي كانت خاضعة للقواعد التي وضعها الغرب. وإن هذا الطرح الذي بدأت الصين وروسيا بوضع ملامحه الأولى في أواخر تسعينيات القرن الماضي في البيان الرئاسي الشهير عام 1997 «الإعلان المشترك حول عالم متعدد الأقطاب وإقامة نظام دولي جديد» كان نقطة البداية في بناء العالم المتعدد الأقطاب، في القمة الأخيرة وصف رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، الهيكل الحالي للحوكمة العالمية بأنّه أشبه بـ «هرم الامتيازات»؛ تنحصر فيه صلاحية اتخاذ القرار في رأس الهرم بينما تظل القواعد مجبرة على الالتزام بالقرارات دون أن تشارك فعلياً في وضعها، رغم أن دول الجنوب كانت في الصفوف الأولى في مواجهات الأزمات الدولية!
خارطة الطريق
إن العمل على إنهاء الأحادية القطبية وبناء عالم متعدد الأقطاب ليس مسألةً يسيرةً، فإن شكل العالم الذي نعيشه كان مصمماً على أساس الأحادية القطبية، وعليه وُضعت كلُّ القواعد المالية والتجارية والاقتصادية والثقافية ولهذا لم يكن من المتوقع أن تحقق بريكس ما أرادته خلال وقتٍ قصير، بل إن أي مراقبٍ لسلوك المجموعة منذ التأسيس وحتى الآن يلحظ اتجاهاً مدروساً. فإذا قلنا أنّ المرحلة الأولى كانت تثبيت الأساس السياسي للكتلة والإعلان عنها، فإن المرحلة التالية ثبّتت أفريقيا في المجموعة لما تحمله
هذه القارة من قدرة جبارة على أداء دورٍ فاعل في المستقبل القادم، ثم كانت الخطوة التالية الطبيعية بداية إنشاء وتأسيس الأسس المادية المنوط بها تيسير الاتجاه العام لبريكس، وكان بنك التنمية الجديد الأساس الأول قبل أن تدخل المجموعة فعلياً في حالة من الكمون، جرى فيها استيعاب الصدمات التالية والمتلاحقة التي عاشت فيها بريكس جملة من الاختبارات؛ أولها في 2014 مع الموجة الأولى من العقوبات الغربية على روسيا، وما تلاها من عمل ممنهج يستهدف هذه القوى الصاعدة. ثم شهدت تغييراً في السلطة القائمة في البرازيل وأزمات اقتصادية في جنوب أفريقيا، فضلاً عن بداية المواجهات والاشتباكات بين الصين والهند، ثم بداية وباء كورونا وتبعاته. لكن مجموعة بريكس تجاوزت كل هذا وبدأت تتخذ خطوات أكثر تسارعاً بعد أزمة كورونا مباشرةً، وبدأت المجموعة توسّع صفوفها، وهو ما كشف أنّ أنظار الكثير من
دول الجنوب تتجه بشكلٍ حاسم إلى بريكس وترغب في ربط نفسها مع هذا المشروع الناشئ.
إن كلّ هذا لم يكن ممكناً لو لم تقم مجموعة بريكس طوال السنوات الماضية ببناء مؤسساتٍ ماليةٍ وتقنيةٍ موازية، إلى جانب سياسات جدّية للتخلص من الدولار، سواء الموجود في خزائن البنوك المركزية أو ذلك المستخدم في المعاملات التجارية البينية، وبدأت اليوم تعمل على وضع اللمسات الأخيرة على مشاريع جديدة مرتبطة تحديداً بتأمين سلاسل التوريد والإمداد التي تضمن لدول الجنوب عملية إنتاجية مستقرة بعيداً عن الاضطرابات المحيطة، بل تعطي هذه الدول الحق في التصرف في خاماتها وتُسخّرها في عمليات الإنتاج الموسَّعة الجارية.
إن قمّة نيودلهي قد تبدو في نظر البعض مجموعة جديدة من البيانات، لكن ما جرى الآن هو انتقال تاريخي إلى خطط على المستوى السياسي، إذ أعلنت الهند أن 2027 سيشهد المصادقة على «خارطة طريق إصلاح الحَوكمة العالمية». فبدلاً من الإشارات العابرة تنتقل بريكس فعلياً إلى وضع خطة محددة بآجال زمنية ومصادقٍ عليها من دول المجموعة، لا تنصُّ على تعاون اقتصادي أو انشاء بنية مالية! بل تنص على تحويل المجموعة من «متلقِّين للقواعد» إلى صانعين ومشاركين في وضعها، وقد أثبتَتْ مجموعة بريكس خلال تعهُّداتها السابقة أنّها قادرة على وضع الخطط وإنجازها في وقتها المحدد...