إن الارتباط العميق بين «إسرائيل» وبريطانيا شكّل جزءاً أساسياً من تاريخ الكيان، وتحديداً في مراحله الأولى قبل أن ينتقل مركز الدعم الأساسي إلى الولايات المتحدة بعد حرب السويس في 1956، ورغم هذا التحوّل ظلّت العلاقات بين بريطانيا و«إسرائيل» قائمة وتحمل بعداً رمزياً عميقاً وهذا ما سبب حالة الإرباك الحاصلة بعد الصدام الدبلوماسي-السياسي الجاري.
في الثامن من شهر أيلول الجاري أعلنت مجموعة من 12 دولة أوروبية نيتها فرض قيود بوجه النشاط الاقتصادي مع المستوطنات الصهيونية التي يجري العمل عليها في الضفة الغربية. ورغم التباينات في تنفيذ هذا التوجّه ذهبت لندن بسرعة لاتخاذ خطواتٍ ملموسةٍ في اليوم نفسه، إذ أعلنت سلسلةً من الإجراءات لا تقف عند وقف التبادل التجاري مع المستوطنات، بل تشمل أيضاً قيوداً على شركات البناء والبنية التحتية والتمويل العقاري للمستوطنات، مع إجراءاتٍ وقراراتٍ بحق عددٍ من المجرمين الصهاينة، وأيضاً الإعلان عن مراجعة وحظر تراخيص تصدير الأسلحة التي تساهم مادياً في الاحتلال. بالطبع تلقت «إسرائيل» هذه الأنباء بموجة غضبٍ عارمة، واتخذت إجراءاتٍ غير مسبوقة كان أبرزها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة، وطرد دبلوماسيين وتقييد بعض برامج التعاون الأمني وغيرها من الخطوات.
المثير للانتباه أن الدوافع التي برر وفقها الجانب البريطاني قراراته الأخيرة هذه، لم تبدأ الآن! بل تعود في الواقع إلى لحظة قيام الكيان الأولى، فاحتلال الأراضي وبناء المستوطنات وتقويض أسس الدولة الفلسطينية ومنع قيامها، وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم وممارسة كل أشكال التمييز العنصري، ليس سلوكاً جديداً، بل هو تعريف «إسرائيل» ودورها التاريخي، ولذلك من الطبيعي أن نسأل ما الذي تغير الآن؟
إن البعض يحاول الإجابة على هذا السؤال الكبير بالاستناد إلى حقيقةٍ لا يمكن إنكارها، وهي أن الرأي العام العالمي حول «إسرائيل» تغيّر، وأصبح الشارع في أوروبا يتحرّك بشكلٍ غير مسبوق لرفض هذا المشروع، لكن هذا التحوّل لا يكفي لتفسير التحرك البريطاني والأوروبي الأخير. فالشارع الأوروبي أيضاً يظهر تعاطفاً أقل مع أوكرانيا ويرغب بوقف الحرب هناك، لكن بريطانيا لا تراعي أبداً هذا المزاج الجديد، بل هي أحد أهم المحرضين على الحرب والداعمين لها!
بريطانيا لم تكن من مناصري الدولة الفلسطينية تاريخياً وموقفها الجديد المعلن لا يعني تغيُّراً في موقفها من «إسرائيل» لكنه يطرح سؤالاً جديداً: ما هو موقف النخب المالية العالمية من مشروع «إسرائيل العظمى»؟ وما تفسير هذه «الصحوة» البريطانية المفاجئة في رفض الاستيطان؟
ستقدّم الفترة القادمة إيضاحاتٍ أكثر حول طبيعة الاصطفافات والتناقضات، ولكن المؤكَّد أن «إسرائيل» لم تستطع أبداً تثبيت الأساس المادي لمشروعها «مشروع إسرائيل العظمى» وإن الفشل فيه يعني أن كوابيسها الوجودية بدأت تتحول إلى واقع!