اليمن… دافعٌ جديد لمنظومة أمنية إقليمية مستقرة
حمل الأسبوع الماضي تطوراتٍ كثيرةٍ تحديداً في اليمن، ترافقت مع ضخٍ إعلامي عن معركة «الحسم» ضد الحوثيين، التي أخذت بعد وقتٍ قصير منحاً مختلفاً تماماً، ورغم التباينات في قراءة التفاصيل ظل القلق من فتح بؤرة جديدة في الاشتباك الإقليمي قائماً، وخصوصاً مع احتمال دخول سعودي مباشر في المعارك ما يمكن أن ينقلنا إلى مواجهة بين إيران والسعودية.
إن المعارك الأخيرة في اليمن، بدأت بعد قصفٍ لمدرج طيران اتهمت جماعة أنصار الله السعودية بالوقوف خلفه، وهذا ما فتح الباب على خطوات تصعيدية وتبادلٍ للضربات، وعرقلة مرور لناقلات نفطٍ سعودية في البحر الأحمر.
المواجهة لم تبقَ عند هذا الحد، بل أطلقت القوات الحكومية معركة شرسة ومباغتة ضد الحوثيين، الذين سرعان ما قلبوا مجرياتها وبدأوا يسيطرون على نقاطٍ جديدةٍ من الساحل اليمني مما مكنهم من تشديد القبضة على باب المندب، المعبر الاستراتيجي الذي اعتمدت عليه السعودية كممرٍ احتياطي سالكٍ بدلاً من مضيق هرمز. التطورات الميدانية تحوّلت سريعاً إلى موضوعٍ أساسي للنقاش في مسألتين أساسيتين، الأولى: ما هو موقف أطراف اتفاق مكة؟ وهل فشلت اتفاقية الدفاع المشترك في اختبارها الأول؟ أما المسألة الثانية المطروحة فكانت أن تقدّم الحوثيين الجديد سيزيد الضغط
على الرياض التي ستجد نفسها مضطرةً إلى دخول الحرب!
قراءة مختلفة للتطورات في اليمن
في البداية كان هناك حديث طويل ومفصل حول اتفاقية مكة، وكان الاستنتاج الأساسي الذي قدمته «قاسيون» هو أن هذه الاتفاقية هي شكلٌ جديد من الاستجابة الإقليمية للتراجع الأمريكي الجاري والمتسارع، واتفاقية مكة وضعت الأساس فعلياً لتنسيق جهود القوى الإقليمية الأساسية بالتعاون مع قوى الشرق (روسيا والصين) لمواجهة الأخطار الأساسية، من هنا لا يبدو سلوك أطراف الاتفاقية حول التطورات الأخيرة في اليمن بمثابة «فشل» بل العكس تماماً، فأطراف هذه الاتفاقية برهنوا خلال الأيام القليلة الماضية أنهم ليسوا تحالفاً عسكرياً على الطريقة الأمريكية، وليسوا ذراعاً لتنفيذ ما يريده الآخرون. وهذا لا يعني أن تلك الأطراف توافق على استهداف السعودية من قِبل الحوثيين لكنه يعني أنّهم لن يتورطوا بعمليات قتالية على الأراضي اليمنية، وإن معارك كهذه ربما لا تندرج أصلاً ضمن الاتفاق، كونها تزعزع استقرار الإقليم لا العكس، وهو مسألة تدركها أيضاً السعودية التي تدرس تحركاتها بشكلٍ دقيق بالرغم من حجم الضغط الكبير عليها.
إذا ما أردنا طرح المسألة الثانية، المرتبطة تحديداً بالسعودية، فصحيح أن خسارة باب المندب وتنفيذ ضربات على البنية التحتية النفطية لا يخدم المصلحة السعودية ولا يمكن بالنسبة للرياض أن يظل دون علاج، لكن التجربة السعودية تقول إنّ علاج المشكلة اليمنية ليس ممكناً بالطرق العسكرية، وإن أي فشل عسكري جديد يضيف المزيد من اليقين حول هذه الفكرة بالذات! ما يعني أنه أيضاً يمهد الطريق للأفكار الجديدة! الأفكار التي تم استبعادها دائماً، الأفكار التي تقول إنّ الحل يجب أن يكون دبلوماسياًتوافقياً بعيداً عن المواجهات المسلحة.
فالمواجهات الجديدة في اليمن ونتائجها ستضيّق الخيار أمام القوى الإقليمية، وتضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما المزيد من المواجهات العسكرية العبثية بين الدول الإقليمية الأصيلة، وإما البحث عن أرضيات مشتركة للتفاهم.
عن لقاء صلالة في عُمان
إن اللقاء المزمع عقده غداً الإثنين 14 أيلول في مدينة صلالة هو مؤشر على اتجاه جديدٍ محتمل، فاللقاء نظرياً هو مسعى إيراني للتنسيق مع الأطراف الخليجية الأخرى حول الترتيبات الإيرانية-العمانية لمضيق هرمز، واللقاء سيكون أوّلَ لقاء من نوعه منذ بداية الحرب، سيجمع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي مع إيران ودون حضور أو موافقة أمريكية، ورغم أن البحرين أعلنت أنها لن تشارك، وأعلنت الإمارات مشاركتها بتمثيل منخفض إلا أن الدول الأخرى مثل السعودية مثلاً ستشارك على مستوى وزير الخارجية. ومع أننا نستطيع التنبؤ بالكثير من التصريحات النارية والاستعراضية ضمن لقاءٍ كهذا، إلا أنّها لا تلغي أهمية انعقاده. فإن ما جرى ويجري يثبّت ضرورة بناء منظومة أمنية إقليمية مشتركة قائمة على التوافق والثقة، ومنيعة ضد التدخل الخارجي، وإن إنشاء منظومة كهذه لا يمكن أن يتم دون وجود إيران ودون اتفاق في اليمن، ودون توافق في العراق وسورية ولبنان وفلسطين وغيرها، وهذا ممكن إذا ما انطلقت هذه الدول من مصالحها ومن ضرورة بناء واقعٍ جديد بعيداً عن الصدام العسكري.
هذا التوجّه هو جوهر المبادرة الروسية والصينية حول أمن الخليج، وهو لذلك مدعوم من التيار الصاعد في العالم، وهو في الوقت ذاته مؤشر جديد على الفروق الجوهرية بين عالم القطبية الواحدة الذي هيمنت فيه الولايات المتحدة، ووضعت القواعد وحددت خطوط الاشتباك، وبين العالم الجديد المبني على التفاهمات العميقة بين الدول التي يرتبط مصيرها ببعضها بعضاً.