التصدعات في الجيش الأمريكي وحرب الجبهات المتعددة التي تخسرها واشنطن
يشهد الجيش الأمريكي مزيداً من التخبّط الداخلي بسبب موجة جديدة من الاضطرابات بين قادة الجيش وجنرالاته من جهة والبيت الأبيض من جهة ثانية، أزمة الثقة هذه خرجت من كونها مجرّد تحليلاتٍ وتقديراتٍ ووصلت إلى مستوىً جديدٍ فرض على 50 عضواً في هيئة الأركان المشتركة الأمريكية أن يخضعوا لسلسلة من التحقيقات والاستجوابات تضمنت اختبارات كشف الكذب!
المشكلة بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية الفعلية بدأت تتصاعد منذ بداية الحرب على إيران، فقيادة الأركان وجدت نفسها أمام قائمة من المهام المستحيلة، وحاولت مراراً أن تدقَّ ناقوس الخطر، لكن حسابات القيادة السياسة ظلّت قاصرة وتجاهلت بشكلٍ متكرر تحذيرات العسكريين إلى أن وصلت هذه الأزمة إلى مستوىً نوعي جديد.
تصدعات داخل الجيش
رفض كبار الجنرالات وقادة الأسلحة الثلاثة الرئيسية «البرية والبحرية والجوية» بالاشتراك مع قادة المناطق العسكرية الإقليمية المقاتلة استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، ونصحوا البيت الأبيض علناً بعدم استئنافها لأنّ واشنطن لا تملك الخيارات العسكرية التي يتحدّث عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. أخذت هذه التحذيرات صدىً واسعاً وخصوصاً أن القادة العسكريين كانوا هذه المرة أكثر علنيةً في انتقاداتهم ما شكّل حالةً من الاضطراب داخل الجيش وخصوصاً مع التعقيدات العسكرية الكبيرة التي تواجهها القوات الأمريكية في ساحة المعركة.
وتعقّدت الأزمة أكثر بعد صدور تقريرٍ مثيرٍ للجدل في جريدة الواشنطن بوست الأمريكية، والذي استند إلى وثائق حساسة مسرّبة كشفت النقص الهائل في الذخائر وتحديداً في أسلحة الدفاع الاعتراضية. التقرير المذكور أكد ما كان يتحدث حوله مجموعة كبيرة من المحللين، وكان رد الفعل الرسمي الأمريكي أكدّ بشكلٍ غير مباشر صحّة ما جاء في التقرير، وبدلاً من نفيه أخذت الأمور منحىً مختلفاً تماماً. إذ اعتبرت الإدارة الأمريكية أنّها أمام تسريب خطير لوثائق حساسة، وبدأت بسلسلة من الإجراءات المهينة لكبار الضباط الأمريكيين، وهو ما سيكون له أثر كبير على تطور العمليات العسكرية في الفترة القادمة وخصوصاً أن الحديث لا يجري فقط عن تسريب لوثائق بل أيضاً وجود عميلٍ أجنبي داخل البنتاغون.
كان لسلوك وزير الدفاع بيت هيغسيث أثرٌ تراكمي سلبي، فالأخير أقال أو عرقل ترقية أكثر من 80 جنرالاً وأدميرالاً عسكرياً وهو ما يقارب 10% من كبار قادة الجيش، في محاولة واضحة لتغيير البنية العسكرية الأمريكية واستبدال القيادات التقليدية بأخرى أكثر ولاءً لتصورات الرئيس ترامب! كل هذا أضاف إلى سلسلة الاستقالات السابقة استقالةَ وزير الجيش الأمريكي دانيال دريسكول بالإضافة إلى تقارير تتحدث عن احتمال إقالة نائب وزير الدفاع بستيف فاينبرغ بسبب فشله بالوفاء بخطة تسريع إنتاج الذخائر.
التعاون الروسي الإيراني
في ظل هذه الأجواء المشحونة خرجت صحيفة الفايننشيال تايمز بتقرير يتحدّث عن تعاونٍ روسيٍ-إيراني في تطوير صواريخ كروز فرط صوتية؛ الصحيفة أوردت تفاصيل كثيرة عن حجم هذا التعاون والمشاركين فيه، وحرصت على الإشارة إلى أن تعاوناً من هذا النوع يستوجب بالضرورة «موافقةً سياسيةً من أعلى المستويات في روسيا». إن صواريخ كروز التي تحدثت عنها الفايننشيال تايمز يمكن أن تكوّن تحوّلاً نوعياً في قدرات إيران، فهي قادرة على الطيران بارتفاع منخفض مع قدرات عالية على المناورة بسرعة فائقة تجعل عملية اعتراضها شديدة الصعوبة وتضع كل القطع البحرية الأمريكية في محيط إيران في دائرة خطرٍ حقيقي.
إن تطوير إيران لصواريخ فرط صوتية كان يشير إلى تعاونٍ مع روسيا التي طوّرت هذه التقنية باكراً، ويمكن لإيران في حال حيازتها هذا النوع من الأسلحة أن تقدم مفاجآت كبيرة للقوات الأمريكية المشاركة في العمليات، وإنّ نشر هذه المعلومات الآن سوف يفاقم المشكلة الموجودة أصلاً داخل الجيش الأمريكي ويزيد من الشرخ القائم مع البيت الأبيض، لكن ومن زاوية أخرى يمثّل هذا التقرير في توقيته مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة والغرب عموماً، فالحرب في أوكرانيا، رغم حشد الغرب لكل طاقاته فيها، لم تحقق النصر المطلوب، ورسخت بدلاً من ذلك طبيعة التعاون بين الدول المقابلة، مثل التعاون المتبادل بين روسيا وإيران، ما يجعل الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة حرباً واحدةً على جبهاتٍ متعددة، وهي تخسر على جميع هذه الجبهات.