Skip to main content

مصر والصين... من «نسور الحضارة» إلى حرب الرقائق

 |  معتز منصور  |  عربي دولي

تدخل العلاقات المصرية الصينية مرحلة جديدة تتجاوز حدود التعاون الاقتصادي التقليدي، في وقت تتزامن فيه ثلاث تطورات تحمل دلالاتٍ كبرى: مشاركة مقاتلات صينية متطورة في مناورات جوية واسعة داخل مصر، وعرض هواوي إنشاء بنية متقدمة للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ثم الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة.


الحدث العسكري كان الأكثر وضوحاً. فمناورات «نسور الحضارة 2026» لم تكن مجرد نسخة جديدة من تدريبات بدأت بين البلدين في العام الماضي، بل حملت تطوراً نوعياً في مستوى المشاركة الصينية. فقد دفعت بكين للمرة الأولى بمقاتلاتها الثقيلة J-16 إلى القارة الأفريقية للمشاركة في تدريبات عملياتية مع القوات الجوية المصرية، في خطوة تعكس استعداد الصين لتوسيع حضورها العسكري خارج محيطها الآسيوي التقليدي.
وتكمن أهمية J-16 في أنها ليست مجرد مقاتلة تصديرية أو منصة استعراضية، بل واحدة من أبرز المقاتلات الثقيلة المتعددة المهام في سلاح الجو الصيني، وتجمع بين قدرات القتال الجوي والهجوم الأرضي والحرب الإلكترونية. كما جاء انتشارها ضمن تشكيل جوي أكثر تعقيداً يعتمد على طائرات الإنذار المبكر والدعم والتزود بالوقود، بما يسمح بإجراء تدريبات أقرب إلى سيناريوهات العمليات الجوية الحديثة وليس مجرد طلعات تدريبية رمزية.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية إضافية بسبب طبيعة القوات الجوية المصرية نفسها. فمصر تشغل مزيجاً واسعاً من الطائرات والمنظومات الغربية والروسية، وفي مقدمتها مقاتلات رافال وميغ-29. ولذلك فإن التدريب المشترك يضع المنظومات الصينية في بيئة عملياتية مختلفة، ويتيح للطرفين اختبار التكتيكات وأساليب إدارة المعارك الجوية والتنسيق بين تشكيلات تمتلك مدارس عسكرية وتكنولوجية متباينة.

ولهذا تابعت واشنطن و«إسرائيل» المناورات باهتمام خاص. فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود مقاتلات صينية متطورة في شمالي أفريقيا، بل بانتقال التعاون العسكري المصري الصيني إلى مستوى أكثر حساسية، في منطقة ترتبط فيها موازين القوة الجوية مباشرة بأمن «إسرائيل» وبالوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا.
لكن التطور الأكثر أهمية قد لا يكون في المجال العسكري، بل في التكنولوجيا التي أصبحت اليوم أحد أهم ميادين الصراع بين الولايات المتحدة والصين. فقد قدمت شركة هواوي عرضاً للحكومة المصرية لإنشاء مراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي تعتمد على رقائق متقدمة من سلسلة Ascend، ضمن مشروع يمكن أن يمنح مصر قدرة أكبر على تطوير البنية الوطنية للحوسبة والبيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتكمن حساسية المشروع في أن العرض الصيني لم يمر باعتباره صفقة تجارية عادية. فوفق المعلومات التي ظهرت خلال الأيام الماضية، بدأت واشنطن بحث إمكانية تقديم عرض منافس بمشاركة شركات أمريكية كبرى مثل إنفيديا ومايكروسوفت، في محاولة واضحة لمنع هواوي من تحقيق اختراق استراتيجي في واحدة من أهم الأسواق العربية والأفريقية.
غير أن المنافسة الأمريكية الصينية في مصر تكشف مفارقة مهمة. فالولايات المتحدة تريد تقديم نفسها باعتبارها البديل الأكثر تطوراً وأماناً للتكنولوجيا الصينية، لكنها فرضت خلال السنوات الماضية قيوداً على وصول العديد من الدول، ومنها مصر، إلى بعض تقنيات الحوسبة والرقائق المتقدمة. ومن هنا ستتوقف جدية العرض الأمريكي على قدرته على تجاوز هذه القيود وتقديم ما تحتاجه القاهرة فعلياً، لا مجرد مطالبتها بالابتعاد عن التكنولوجيا الصينية والاكتفاء بالوعود التي لن تتحقق.
وهذا ما يمنح العرض الصيني أهمية خاصة؛ فبكين لا تقدّم لمصر مجرد معالجات أو معدات منفصلة، بل منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية ومراكز البيانات والشبكات والحوسبة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما أن الشركات الصينية تمتلك أصلاً حضوراً واسعاً في مشروعات البنية التحتية المصرية، من العاصمة الإدارية الجديدة إلى مشروعات النقل والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إضافة إلى التعاون السابق في مجال البنية الرقمية والحوسبة السحابية.
وفي هذا التوقيت تأتي زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى القاهرة، لتضيف بعداً سياسياً إلى التطورات العسكرية والتكنولوجية. فالزيارة تأتي في مرحلة تشهد توسعاً متزامناً للعلاقات بين البلدين في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والدفاع، وهو ما يجعلها فرصة للانتقال بالشراكة إلى مستوى جديد، خصوصاً مع تحول مصر إلى نقطة مهمة في الاستراتيجية الصينية تجاه غرب آسيا وأفريقيا.
ومع ذلك، فإن تعميق العلاقات مع بكين لا يعني أن القاهرة تتجه إلى إحلال الصين بديلاً للولايات المتحدة. فالشراكة المصرية الأمريكية ما زالت تمتلك أبعاداً عسكرية وسياسية واقتصادية عميقة، لكن التجربة المصرية خلال السنوات الماضية أظهرت أيضاً حدود الاعتماد على شريك واحد، خصوصاً عندما يرتبط الحصول على السلاح أو التكنولوجيا بحسابات سياسية وقيود استراتيجية لا تتعلق دائماً بالاحتياجات المصرية.

وقد ظهر ذلك بوضوح في ملف التسليح، حيث ظلت الولايات المتحدة حريصة على إدارة ميزان القوة الإقليمي بما يضمن التفوق العسكري النوعي لـ«إسرائيل»، الأمر الذي وضع قيوداً على وصول مصر إلى بعض المنظومات والتقنيات المتقدمة. ولذلك فإن فتح قنوات تعاون أوسع مع الصين وروسيا وغيرهما لا يمثل بالضرورة خروجاً من الشراكة الأمريكية، بقدر ما يمنح القاهرة مساحة أكبر لحماية مصالحها وتقليل قدرة أي طرف على استخدام التكنولوجيا أو التسليح كأداة ضغط سياسي.
لهذا تكتسب التطورات الحالية أهمية تتجاوز كل حدث منفرد. فمقاتلات J-16 التي شاركت في «نسور الحضارة»، وعرض هواوي لإنشاء بنية متقدمة للذكاء الاصطناعي، والزيارة المرتقبة لشي جين بينغ، تشكل معاً صورة لعلاقة مصرية صينية تتقدم بسرعة نحو مجالات كانت حتى وقت قريب أكثر ارتباطاً بالقوى الغربية.
وفي تطور لافت أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءاتٍ تستهدف فروع بنك مصر في الإمارات بسبب ما قالت إنه دور في تمرير أموال مرتبطة بشبكات مصرفية إيرانية، وهذه العقوبات وإنْ كانت ذات طابع رمزي، فما يخصّ العقوبات على إيران تبدو موجًّهة أكثر إلى الدولة المصرية في خطوة تظهر قدرة أمريكية على تهديد الاقتصاد المصري، والحديث عن خروج الأموال الساخنة من مصر في سياسة العصا والجزرة، فمع التلويح بالعقوبات من جهة، وعرضٍ لا يرقى إلى التطلعات المصرية في مجال الرقائق ومراكز البيانات من جهة أخرى، يبدو أنها سياسة تحاول من خلالها واشنطن دفعَ مصر بعيداً عن الشراكة مع الصين.