هل تبني القاهرة توازنها الاستراتيجي الجديد؟
تبدو مصر في هذه المرحلة أمام واحدة من أكثر البيئات الإقليمية تعقيداً منذ سنوات. فإعلان السعودية وتركيا وباكستان عن اتفاق مكة للدفاع المشترك، والذي كانت القاهرة حاضرة في اللقاءات التمهيدية له، ثم حديث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن أن الباب مفتوح أمام مصر، إلى جانب إعلان القاهرة أنها تدرس مقترح التعاون الدفاعي مع الدول الثلاث، كلها تطورات تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى موقع مصر ودورها في النظام الإقليمي.
لكن أهمية مصر هنا لا ترتبط فقط باحتمال انضمامها إلى ترتيبات دفاعية جديدة، وإنما بكونها دولة تتقاطع عندها مجموعة ضخمة من الملفات التي تمثل في الوقت نفسه مصادر قوة ومصادر ضغط. فالحرب في السودان، والأزمة الليبية، وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، والخلاف مع إثيوبيا حول مياه النيل وسد النهضة، إضافة إلى غزة والقضية الفلسطينية، تجعل مصر محاطة بملفات يمكن استخدامها للتأثير في خياراتها السياسية والاقتصادية والأمنية.
ولهذا تبدو القاهرة وكأنها تتجه إلى استراتيجية تقوم على توسيع هامش الحركة بدل الارتهان لمحور واحد. فالتقارب المصري التركي يتطور على مستويات متعددة، وهناك تنسيق متزايد بشأن ليبيا، بينما تحافظ مصر على علاقاتها مع السعودية والإمارات، وتفتح في الوقت نفسه آفاقاً أوسع مع الصين وباكستان وروسيا، إلى جانب علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا.
ويأتي ملف النيل في مقدمة هذه الحسابات. فمصر التي تعتمد على النيل لتوفير نحو 97% من احتياجاتها المائية ترى أن أمنها المائي قضية وجودية، ولذلك تعاملت بحدة مع التصريحات الإثيوبية حول بناء سدود إضافية وتنظيم تدفقات المياه نحو السودان ومصر. وتؤكد القاهرة أن من حق دول حوض النيل إقامة مشروعات للتنمية، لكنها ترفض أن تتحول هذه المشروعات إلى وسيلة للسيطرة على تدفقات نهر دولي مشترك.
واللافت أن التصعيد الإثيوبي جاء في بيئة إقليمية ودولية متغيرة، بالتزامن مع تطوير العلاقات الإثيوبية الأمريكية، ومع استمرار تحركات أديس أبابا للحصول على منفذ بحري، في وقت تتداخل فيه المنافسة حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي مع ملفات الصومال وأرض الصومال وإريتريا. وبالنسبة إلى القاهرة، فإن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن أمنها المائي أو عن أمن قناة السويس والبحر الأحمر.
وتواجه مصر في الوقت نفسه تحديات مباشرة على حدودها. فالحرب السودانية تهدد بخلق تداعيات أمنية وإنسانية واقتصادية طويلة المدى، بينما يمثل الوضع الليبي ملفاً استراتيجياً آخر. وهنا تبدو أهمية التقارب المصري التركي؛ فانتقال أنقرة إلى التواصل مع مختلف الأطراف الليبية، بالتوازي مع لقاء الرئيس السيسي بخليفة حفتر والتأكيد على وحدة ليبيا وتوحيد مؤسساتها، يفتح مجالاً لتفاهم مصري تركي يمكن أن يخفف من حدة الاستقطاب ويقرب الأزمة من مسار أكثر استقراراً.
وفي المقابل، تستخدم الضغوط الاقتصادية كأداة لا تقل أهمية عن الملفات الأمنية. فالاستثمارات الإماراتية المتزايدة في مصر، ومنها مشاريع الطاقة والتخزين واللوجستيات، تمثل أموالاً يحتاجها الاقتصاد المصري، لكن قراءة المشهد من زاوية الحاجة المصرية فقط تبدو ناقصة. فجزء من الاستثمارات المطروحة يرتبط بمشاريع عقارية أو فاخرة أو بأصول وقطاعات محددة، وهي قد توفر تدفقات مالية مهمة على المدى القصير، لكنها لا تعالج جذور مشكلة الاقتصاد المصري المتمثلة في الإنتاج والصناعة والصادرات والدَّين والحاجة المستمرة إلى العملة الأجنبية. ولذلك يمكن النظر إلى الاقتصاد أيضاً باعتباره إحدى ساحات محاولة التأثير في خيارات القاهرة، عبر جعلها أكثر اعتماداً على تدفقات خارجية محددة بدل بناء قاعدة إنتاجية أكثر استقلالاً.
الصين مخرج محتمل
وفي مواجهة ذلك، تحاول مصر تنويع مصادر قوتها. ومن أكثر المؤشرات دلالة على هذا المسار التعاون العسكري المتزايد مع الصين. فقد بدأت القوات الجوية المصرية والصينية مناورات «نسور الحضارة 2026»، وهي ثاني تدريبات جوية مشتركة بين البلدين بعد مناورات 2025، وتشمل القتال الجوي والتفوق الجوي والبحث والإنقاذ القتالي. صحيح أن المناورات كانت مجدولة مسبقاً، ولذلك لا يمكن اعتبارها رداً مباشراً على التطورات الحالية، لكنها تحمل رسالة استراتيجية واضحة: مصر تريد الحفاظ على علاقات عسكرية مفتوحة مع أكثر من قوة كبرى، وعدم ترك أمنها وتسليحها رهينة لمصدر واحد.
ومن هنا يمكن فهم اهتمام القاهرة باتفاق مكة دون اختزاله في سؤال الانضمام الرسمي. فالتعاون الدفاعي مع السعودية وتركيا وباكستان يمكن أن يمنح مصر خيارات إضافية، كما أن العلاقات المتنامية مع الصين توفر بدائل عسكرية وتقنية، بينما يسمح التقارب مع تركيا بتنسيق أكبر في ملفات ليبيا والبحر المتوسط.
أما غزة، فتضيف بعداً آخر لهذه المعادلة. فرفض مصر تهجير الفلسطينيين وتصفير القضية الفلسطينية لا يرتبط فقط بموقف سياسي، بل بمخاوف مباشرة تتعلق بالأمن القومي المصري وسيناء ومستقبل المنطقة. ولذلك تجد القاهرة نفسها في مواجهة ضغوط مرتبطة بملف لا يمكنها الانسحاب منه، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستقلال في قرارها.
الصورة النهائية إذن لا تشير إلى أن مصر بصدد اختيار محور جديد، بقدر ما تشير إلى أنها تحاول بناء شبكة من العلاقات تمنع تحويل أي ملف منفرد إلى أداة لإخضاع قرارها. فبدل أن تواجه الضغط الإثيوبي بالتصعيد وحده، تُوسِّع علاقاتها في أفريقيا والقرن الأفريقي؛ وبدل استمرار الصراع مع تركيا في ليبيا، تبحث عن مساحة تفاهم؛ وبدل الاعتماد على شريك عسكري واحد، تُوسِّع التعاون مع الصين وباكستان وتركيا.
وهنا تحديداً تكتسب التحركات المصرية الأخيرة أهميتها: القاهرة لا تبدو وكأنها تكتفي بإدارة الأزمات، بل تحاول، عبر تنويع شراكاتها واستخدام أوراقها الإقليمية، إعادة بناء هامش استراتيجي يسمح لها بمواجهة الضغوط من موقع أكثر توازناً واستقلالاً.