Skip to main content

السودان... حرب تتسع على الحدود وانشقاقات لا تكفي لحسم المعركة

 |  قاسيون  |  عربي دولي

رغم التقدم الذي حققه الجيش السوداني خلال الأشهر الماضية، واستعادة مناطق واسعة من وسط البلاد، فإن الحرب لم تدخل بعد مرحلة الحسم. فقد أعادت قوات الدعم السريع فتح جبهات جديدة، أبرزها في إقليم النيل الأزرق على الحدود مع إثيوبيا، في محاولة لتعويض خسائرها في مناطق أخرى وإرباك قدرة الجيش على تثبيت مكاسبه الميدانية.


وفي 11 و13 آب الجاري، أعلنت قوات الدعم السريع وحلفاؤها السيطرة على قيسان والكرمك في النيل الأزرق، بعد هجمات شاركت فيها المدفعية والطائرات المسيّرة. وتكتسب المنطقة أهمية خاصة بسبب موقعها الحدودي وشبكة الطرق التي تربطها بعمق السودان. وتشير تقديرات أمنية إلى أن الهجمات استفادت من قواعد خلفية ومسارات إمداد في غربيِّ إثيوبيا، فيما تنفي أديس أبابا اتهامات سابقة بتوفير أراضيها منصة للعمليات.
وهنا تكمن خطورة الجبهة الجديدة؛ فالتضاريس الوعرة والمناطق الحدودية المفتوحة تمنح القوات المتمردة هامشاً للمناورة، بينما يسمح أي دعم أو إسناد يأتي عبر الحدود بإطالة خطوط المواجهة واستنزاف الجيش. كما أن فتح جبهة النيل الأزرق لا يستهدف السيطرة على مدن جديدة فحسب، بل يفرض على القوات المسلحة توزيع وحداتها بين الشرق والوسط وكردفان، في وقت تحاول فيه تثبيت مكاسبها في بقية البلاد.
وتأتي هذه التطورات رغم تصاعد الانشقاقات داخل الدعم السريع. ففي آب وحده أعلنت السلطات السودانية انضمام مجموعات كبيرة من المقاتلين والقادة إلى الجيش، بينها مجموعة من 318 عنصراً وأربعة قادة ونحو 50 عربة قتالية، كما أعلن والي كردفان الذي عينته قوات الدعم السريع انشقاقه عنها. وتعكس هذه التحولات ضغوطاً متزايدة داخل بنية القوات المتمردة، لكنها لم تتحول بعد إلى انهيار عسكري شامل، بسبب استمرار قدرتها على تجنيد المقاتلين والحصول على الإمداد والسلاح وفتح جبهات جديدة.
وفي الجانب الإنساني، يدفع المدنيون الثمن الأكبر لاستمرار الحرب. فقد أدى القتال الأخير في النيل الأزرق إلى موجات نزوح جديدة، بينما تتفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يضم نحو 13 مليون نازح منذ اندلاع الحرب عام 2023.
سياسياً، يبدو الموقف الأفريقي أكثر وضوحاً في التشديد على وحدة السودان وسيادته ورفض أي تدخل خارجي يفاقم الصراع. وقد جدد الاتحاد الأفريقي التزامه بوحدة السودان وسلامة أراضيه، داعياً جميع الأطراف إلى وقف القتال وحماية المدنيين.
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أن المعركة لن تنتهي قبل إنهاء التمرد في عموم البلاد، محذراً في الوقت نفسه من احتمال فرض عقوبات جديدة على السودان.
المشكلة إذن لم تعد في قدرة الجيش على تحقيق الانتصارات، بل في تحويلها إلى حسم نهائي. فكلما خسر الدعم السريع أرضاً في جبهة، حاول تعويضها بفتح أخرى، مستفيداً من الحدود والتضاريس وشبكات الإمداد الخارجية. ولذلك فإن إنهاء الحرب لن يتوقف على موازين القوة داخل السودان وحدها، بل على القدرة على تجفيف مصادر الدعم الخارجي وإغلاق الجبهات الحدودية، بما يسمح للجيش باستثمار تفكك خصمه وتحويل الانشقاقات المتزايدة إلى انهيار فعلي في قدرته العسكرية.