انقسامات النخبة الأمريكية تفتح المجال لقوى جديدة
شكّل فوز المرشح عبد الرحمن السيد عن الحزب الديمقراطي الأمريكي في الانتخابات التمهيدية لانتخابات التجديد النصفي ضربة جديدة وقاسية للتيار الصهيوني لا في الحزب الديمقراطي وحده، وإنما بعموم الولايات المتحدة. وبات يمكن القول إنه بالإضافة إلى حدث فوز ممداني بولاية نيويورك، وتقدُّم آخرين مشابهين وإنْ بخطوات ضئيلة، تنشأ ظاهرة جديدة عامة في الولايات المتحدة، وتعطي مؤشرات أولية هامّة نحو المستقبل.
أُعلِنَ يوم الأربعاء عن فوز عبد الرحمن السيد بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميتشيغان أمام منافسته هايلي ستيفنز، وبفارق ضئيل للغاية قُدِّر بـ 15 ألف صوت من أصل نحو مليون ونصف، أي أقل من نقطة مئوية واحدة.
ويمثل السيد ما يطلق عليه بـ «الجناح التقدمي» داخل الحزب الديمقراطي الذي يدفع به في الدرجة الأبرز بيرني ساندرز، وهي تسميةٌ تُمايِزُ بينه وبين «الجناح التقليدي» الديمقراطي المعروف، حيث ينادي الجناح ويدفع باتجاه سياسات اقتصادية أكثر عدالة اجتماعياً، وسياسات خارجية مختلفة كلياً عن تلك القائمة حالياً، وبالتحديد فيما يتعلق بالموقف من «إسرائيل» والقضية الفلسطينية.
وحملة السيّد دعت بشكل واضح إلى وقف الدعم العسكري غير المشروط لـ «إسرائيل»، وإدانة إجرامها في غزة، وتوفير الرعاية الصحية للجميع، وفرض ضرائب أعلى على الأثرياء، وبالعدالة الاقتصادية الاجتماعية وغيرها، وهو – بحسب التقارير – ما أوجد صدى واسع له تحديداً في فئة الشباب.
وكان من اللافت فوز السيد على منافسته ستيفنز التي دافعت عن «الموقف التقليدي» تجاه «إسرائيل» والتي تلقّت دعماً ماليّاً صهيونياً واضحاً في الانتخابات التمهيدية من لجنة الشؤون العامة الأمريكية «الإسرائيلية»، «آيباك»، بالدرجة الأولى فضلاً عن غيرها، قُدِّرت بـ 30 مليون دولار، كما أن اللجنة نفسها وغيرها من اللوبيات الصهيونية قد صرفت 30 مليون أخرى موجَّهة ضد حملة السيّد. أي بالمجموع، نجح السيد بالانتصار في هذه الانتخابات لا على مجرد منافسة «ديمقراطية تقليدية» له، وإنما كذلك على عموم «الجناح التقليدي» واللوبيات الصهيونية والـ 60 مليون دولار التي صرفتها، وقد وصف الأمر بأنه «أغلى» انتخابات ديمقراطية تمهيدية في تاريخ الولاية.
بعد فوزه، سرعان ما أعلن ممثلو «الجناح التقليدي» في الحزب الديمقراطي عن دعمهم له، وذلك بدافع منهم لضمان الفوز والاحتفاظ بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان في انتخابات التجديد النصفي المقبلة أمام المرشح الجمهوري مايك روجرز المدعوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتياره، علماً أن الديمقراطيين لم يخسروا مقعدهم عن هذه الولاية منذ ثلاثة عقود، إلا أن هناك خشية من أنَّ ما يطرحه السيّد الآن قد لا يجمع العدد الكافي من الأصوات أمام الجمهوريين.
محاولة أولية لتفسير الظاهرة مسرحية «الديمقراطية»
لم تكن الانتخابات في الولايات المتحدة «ديمقراطية» يوماً بالمعنى الشعبي، ولم يكن الحزبان «الديمقراطي» و«الجمهوري» سوى وجهَين للعملة نفسها في المحصلة، حيث كانت الانتخابات على الدوام مسرحاً لـ «ديمقراطية» الرساميل والنخب في دعمها وتمويلها لهذا الشخص أو ذاك، ولهذا التوجه أو ذاك، وتجري الأنشطة والفعاليات الانتخابية بالترابط مع التغطيات الإعلامية بإمرة أموال هذه النخب وما تفرضه وتتلاعب به لتوجيه الرأي العام تجاه هذا المرشح أو ذاك ممّن يعلنون مواقفَ تتناسب مع داعميهم، وضمن هذا الطريق لم تكن «الشعارات» و«البرامج الانتخابية» و«الوعود الانتخابية» بأغلبية مضمونها سوى أحاديث شعبوية يستخدمها هذا المرشح أو ذاك ليستميل – بالتوازي مع الدعم المالي والإعلامي – أصوات الناخبين، ثم سرعان ما تتلاشى كل الشعارات والبرامج والوعود مع فوزه، سواء في الكونغرس أو في الرئاسة، وتبقى الشكليات منها. ومتى ما ارتفعت درجة استياء الناخبين من مرشح أو حزب، بما يعطي مؤشراً بخسارة أصواتهم، تحوّل الرساميل دعمها لمرشح آخر أو
لحزب آخر. لكن، كان على الدوام هناك خطوطاً حمراء واضحة لا يُمَسُّ بها ومتَّفَق عليها، ومن أبرزها: السياسة الخارجية عموماً، والانتشار العسكري الأمريكي خارج الحدود، والموقف من «إسرائيل» خصوصاً، والذي كان يعني على الدوام «حكماً بالاعدام» للحياة السياسة لأيّ أحدٍ يتجاوزها.
الانقسامات
لكن منذ أزمة 2008 دخلت النخبة الأمريكية مرحلة من الانقسام فيما بينها، وتعمّقت وتزايدت خلال السنوات اللاحقة، ما بين تيار يدعو إلى «الانكفاء» والتراجع بأقل الخسائر، وتيار الحرب التقليدي. وبعد 7 أكتوبر 2023 بات واضحاً وجود نوع جديد من الانقسام يتعلق بالنخبة الصهيونية والعلاقة معها، فضلاً عن ظهور تباينات في أولويات المصالح بين نخب المال المالي، والصناعي، والتكنولوجي، والتحالفات أو الخلافات المتغيرة التي تحدث بينهم كل حين.
وتعبيرات هذه الانقسامات والتباينات كلها يمكن ملاحظاتها في التباينات داخل كلٍّ من الحزبيين التقليديين، وتحالف «ماغا» ثم خلافاته والانشقاقات عنه، وتحالف ترامب – ماسك ثم خلافاتهما، وتصاعد الأحاديث حول إنشاء حزب ثالث جديد... فضلاً عن مستويات الاستقطاب العالي التي نشأت مع محاولات الاغتيال التي جرت بالفعل كما جرى مع دونالد ترامب، واغتيال تشارلي كيرك.
ليبدو في المحصلة أن هذه الانقسامات والخلافات بمجموعها داخل النخبة الأمريكية بمختلف أنواعها وأصنافها، هي بالضبط ما يضعفها بمجموعها وبكل جزء منها داخلياً، مما فتح المجال أوسع لظهور قوى جديدة أكثر جذرية – وذلك بالمقارنة مع السابق فقط، أي: لا نقصد أنها جذرية بالدرجة الكافية بالضرورة – بدءاً من بيرني ساندرز ومجموعته داخل الحزب الديمقراطي، والذي برز أكثر بالضبط بعد 2008، وصولاً إلى فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، والآن فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطي، مع احتمالات فوزه في الكونغرس في تشرين الثاني.
تجربة طويلة وأزمات جديدة
كما أن تجربة الأمريكيين الطويلة مع مسرحية الحزبين التقليدية، ومفرزات الأزمة العامة والمتصاعدة منذ 2008 وحتى الآن بكل مفرداتها، وصولاً إلى الحرب على إيران وتداعياتها على الداخل الأمريكي اقتصادياً، ومروراً بالحرب على غزة وتداعياتها سياسياً، قد أنتجت واقعاً جديداً في المزاج الأمريكي والرأي العام لدى الجيل الجديد الشاب خصوصاً، الذي انخفضت قدرة «الدعايات الانتخابية» على التأثير فيه، مهما صرف عليها من مال، وصولاً مثلاً لأن يصبح الموقف من «إسرائيل» شرطاً للنجاح بالتوازي مع الموقف من العدالة الاقتصادية الاجتماعية، وليصبح النظام الانتخابي الأمريكي الحالي نفسه مصدر تهديد على النخبة الأمريكية كلها. فلا تيار ترامب، ولا تيار جي دي فانس، ولا ما يمثله إيلون ماسك، ولا الجماعات الصهيونية، وغيرها، لها مصلحة بصعود ما يمثله هذا «الجناح التقدمي»، وهذا – ربما – يفسر جزئياً ما يجري وصف ترامب به في بعض الأحيان بأنه يسعى إلى «حكم استبداديّ».
وبين كل هؤلاء، يتزايد الاستقطاب على مستوى النخبة والشعب الأمريكي أكثر كل يوم، والذي ربما سنشهد تعبيرات جديدة عنه، أكثر حدة، خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290