ترامب في حلقة مغلقة مجدداً وغرب آسيا يعيش لحظات خطرة!
بالرغم من أن الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تبدو كما لو أنّها حلقة أحداثٍ متكررة، تبدأ من التصعيد إلى التهدئة، ثم تنتقل إلى مفاوضاتٍ أو «اتفاق» حتى تعود مجدداً إلى التصعيد، إلا أن سلوك واشنطن وما يتبعها من وسائل إعلام، بات أشبه بألعاب الخفة، حين يحاول الساحر لفت انتباه الجمهور إلى شيءٍ محدد ليخفي خدعة أخرى دون أن تلاحظها عيون المتفرجين!
إن تهديدات الرئيس الأمريكي المتكررة، وتحديداً تلك التي تحملُ معها إنذاراتٍ في مواعيد محددة، تفرض على الجميع، وتحديداً الدول التي تنخرط بشكلٍ مباشر أو تتأثر بالصراع، أن تتعاطى مع ما يقوله ترامب بحذر، فإن تهديداً مثل ضرب البنى التحتية في إيران واستهداف كل مصافي النفط فيها، مع ردٍّ إيراني مؤكَّد سيكون عنيفاً مدمِّراً، هي مسائل لا يمكن تجاهلها وعدم الاستعداد لها! فكل هذا يشكّل خطراً جدّياً وحقيقياً يهدد كامل منطقة غرب آسيا، وسيكون له تداعياتٌ تمتد لعقودٍ قادمة. المشكلة، أن الأسابيع المنصرمة بدأت تشير إلى مسائلَ خطيرةٍ تجري ولا تَلقى الاهتمامَ الذي تستحقه.
محاولات جر السعودية إلى الصراع
كانت السعودية تنزلق تدريجياً في دربٍ خطرة، نحو المزيد من التصعيد في اليمن، وهو بلا شكٍ هدفٌ أمريكي-«إسرائيلي» بدأ حتى قبل الحرب، فالولايات المتحدة بعد أن ورّطت السعودية في حربٍ طويلة في اليمن وجدت الأخيرة نفسها في مأزقٍ وبدأت تعمل لطَيِّ هذه الصفحة، وإيجاد حلٍّ مستدامٍ بعيداً عن الدخول في مواجهاتٍ مسلّحةٍ قد لا تنتهي في عقود.
مشكلة السعودية، رُغم هذا المنهج المتوازن ظلّت قائمة، وتحديداً كون اليمن هو خاصرةٌ رخوةٌ بالنسبة لها، وأي تطورٍ هناك يؤثر بشكلٍ مباشرٍ على الأمن الوطني السعودي، وهذا ما يفرض على الرياض دائماً أن تكون حاضرةً بشكلٍ ما، ونشيطةً وقادرةً على التأثير عبر دفع الاتجاهات الملائمة لها، وعرقلة تلك التي ترى فيها تهديداً. من هذه الزاوية بالتحديد عملت واشنطن دائماً على جذب السعودية إلى هذا المستنقع، إلا أن التقارب السعودي الإيراني الذي بدأ منذ سنوات فتح الباب أمام حلولٍ أكثر عملية، وأكثر استدامة، عبر الوصول إلى تفاهمٍ مشترك بين طهران والرياض.
الحرب التي بدأتها واشنطن وتل أبيب ضد إيران، كان لا بد أن تؤثِّرَ على اليمن، فمن جهةٍ، تملك طهران نفوذاً ملحوظاً هناك، وعندما نكون أمام معركة بقاءٍ حقيقيةٍ، ستكون إيران مضطرةً في لحظة ما لاستخدام أوراقها، وهو ما شهدناه منذ بداية الحرب بعد إغلاق مضيق هرمز الذي تحوّل سريعاً إلى ضغطٍ على المستوى العالمي، لكن تطور الأحداث برهن أن طهران كانت بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الضغط، وكان باب المندب قادراً على تحقيق المطلوب، ما تحوّل سريعاً إلى تهديدٍ كبيرٍ بالنسبة للسعودية، التي كانت وبسبب مَنفذها إلى البحر الأحمر قادرةً على تقليل آثار الحرب بشكلٍ كبير، واستطاعت تحويل جزءٍ كبيرٍ من صادراتها النفطية إلى ميناء «ينبع» على البحر الأحمر، لكن ما إن بدأت التوترات هناك واستهدفت جماعة «أنصار الله» حاويات سعودية وبعض المنشآت النفطية حتى وجدت الرياض نفسها أمام معادلةٍ صعبةٍ، فهي من جهة لا تريد الانخراط في الصراع الواسع الذي سببته واشنطن و«إسرائيل» لكنّها في الوقت ذاته لا تستطيع الوقوف موقف المتفرج، بل شهدنا تنفيذ ضرباتٍ سعوديةٍ داخل العراق، بعد تحميل بعض الفصائل المنتشرة هناك مسؤولية استهداف السعودية.
يرى تشارلز فريمان، السفير الأمريكي السابق في السعودية، أن ضربات السعودية في العراق، ليست بحالٍ من الأحوال مؤشراً على انضمام السعودية للحرب الأمريكية ضد إيران، لكنّها في الوقت ذاته «تدافع عن
نفسها». تمتلك السعودية بحسب فريمان «إرادةً سياسيةً وتتصرف وفق مصالحها الخاصة التي قد تتقاطع أو تختلف مع واشنطن».
مصر في مرمى الاستهداف
الحدث الثاني المثير، كان استهداف سفينتي تَغْوِيز وتخزين الغاز في دمياط في مصر. السفينتان تعرضتا لهجوم بطائراتٍ مسيرة، لكن مصدر هذه الطائرات أو المسؤول عن هذا الهجوم، ظل مجهولاً حتى اللحظة، فالهجوم بحد ذاته لم ينتج عنه خسائرٌ كبيرةٌ، لكن خطورته ارتبطت بكونه رسالة خطرة إلى مصر، ففي حين تحاول الماكينة الإعلامية والدبلوماسية الأمريكية و«الإسرائيلية» تحميل إيران المسؤولية، رغم نفي الأخيرة لهذه المزاعم رسمياً، يظهر الموقف المصري الذي يسعى لعدم الانجرار، وتحديداً الامتناع عن تحميل طهران المسؤولية، ويُرَدُّ ذلك إلى سلسلةٍ من المسائل الواضحة، فالقاهرة ترى نفسها مستهدفة هي الأخرى، وأن ما يجري الآن هو بشكل أو آخر مرتبط بالمخططات التي تحاك ضد مصر، وفي حين يبدو استهداف دمياط محاولةً لجر مصر إلى الصراع، إلا أنّه يحمل في الوقت ذاته تحذيراً لها، وخصوصاً، كون ما جرى استهدافاً لبنىً تحتية ذات طابع استراتيجي، كما لو أن الرسالة تقول إنّ مصر يمكن أن تكون مستهدفة أيضاً، ما يمكن أن يتحوّل إلى ضغط كبير على القيادة المصرية وتوجهاتها.
الأمثلة السابقة من مصر والسعودية، ليست إلا بعضاً من أبرز أحداث الأسبوع الماضي، والتي تشير إلى جانب تطورات أخرى إلى محاولاتٍ حقيقيةٍ لتوسيع الصراع أكثر فأكثر، وجرّ دولٍ جديدةٍ لمواجهات خطرة، بل إن الوقائع تشير إلى أكثر من ذلك، فخلال الأيام القليلة الماضية بدأ يزداد تواتر ذكر أوكرانيا في هذا المشهد الملتهب، وتحديداً بعد إعلان كييف استهداف ناقلات إيرانية في بحر قزوين. طهران من جانبها أعلنت أنّها سترد، لكن وفي سياقٍ متصل، خرج مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، ليتحدث عن وجود خلايا استخباراتية أوكرانية نشطة في العراق، وأشار إلى أن هذه الخلايا يمكن أن تنفّذ أعمالاً تسعى من خلالها لتوريط أطراف عراقية، والمثير أن الحديث عن دور أوكراني لم يتوقف هنا، بل هناك تحليلات تتحدث أيضاً عن احتمال ضلوع الاستخبارات الأوكرانية في الضربة على دمياط، وخصوصاً أنّها نفّذت ضرباتٍ مشابهة ضد سفنٍ روسيةٍ باستخدام مسيَّراتٍ انطلقت من شمال أفريقيا.
إن جمع كل هذه المؤشرات يمكن أن يعطي صورةً مقلقةً، تحديداً كون ما يجري هو فعلياً محاولةٌ للتصعيد لا بالاعتماد على جبهة واحدة، بل بمحاولة إشعال كل الجبهات الممكنة، فبدلاً من حصر الصراع في الخليج بدأ يمتد إلى باب المندب والبحر الأحمر، والآن إلى بحر قزوين والمتوسط، ما يمكن أن يتحوّل إذا لم يتم احتوائه إلى حرب أوسع بكثير، حرب سيكون من الصعب إيقافها! مع ذلك يظهر أيضاً أن دول الإقليم وتحديداً تلك المتضررة من توسُّع الحرب، تعمل بشكلٍ حثيث لسحب فتيل التصعيد، فالولايات المتحدة كانت بوجودها العسكري الضخم عاملاً مؤثراً في التوازنات الإقليمية ولكن هذا الوجود يهتز بشدة، إذ تنسحب القوات الأمريكية تدريجياً وبوتيرة أسرع، ما يفرض على الجميع إيجاد ما يمكن أن يعيد التوازن سريعاً وخصوصاً أن حالات كهذه تشكّل فرصةً رغم خطورتها، فإن إعادة صياغة التوازنات الإقليمية يفسح المجال أمام الدول الأساسية لمزيد من التنافس لتحقيق مكاسبٍ حقيقية، لكن ورغم الإقرار بوجود هذه المنافسة، يظهر أن الأطراف الإقليمية المؤثرة تراقب «إسرائيل» بحذر وترى فيها العدو الأساسي والخطر الأكبر، ولذلك ورغم النشاط العسكري والأمني الواسع الذي يشهده غرب آسيا إلى أن التنسيق مستمر، وعملية بناء المنظومة الأمنية الإقليمية مستمرة رغم كل العقبات ولن يكون آخرها التحالف الدفاعي الذي أعلنت عنه السعودية، والذي وإن كان يظهر كما لو أنّه مرتبط بالصراع مع إيران، لكنه في الواقع تعبير عن خلق أطر جديدة لا تعتمد على واشنطن بل ترتبط أكثر بالتفاهمات الإقليمية بين الدول الأصيلة في المنطقة الممتدة من قزوين إلى المتوسط.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289