المقاومة الفلسطينية... مناورة من العيار «الثقيل»

المقاومة الفلسطينية... مناورة من العيار «الثقيل»

أُعلِنَ يوم الجمعة، 31 تموز 2026، عمّا وصف بـ «اختراق تاريخي» في ملف غزة، حيث تمت الموافقة على مسودة اتفاق جديدة من 15 نقطة طرحها «مجلس السلام» بإدارة ترامب، ووافقت عليه حركة المقاومة الإسلامية في غزة «حماس»، بما فيه ما يتضمنه نص الاتفاق من «تسليم للسلاح»، وسرعان ما ضجّت وسائل الإعلام بتداول أخبار تفيد أن المقاومة قدمت تنازلاً كبيراً، وهُزمت، وجُردت من السلاح وما شابه. لكنّ مسودة الاتفاق المعلنة، والبيان الصادر عن الحركة، والردود «الإسرائيلية» عليها، بالتوازي مع السياق العام دولياً وإقليمياً، واللحظة السياسية الحالية، تشير إلى شيء آخر...

خاضت المقاومة الفلسطينية خلال عامين معركة شرسة للغاية، غير متكافئة، تعرّض الفلسطينيون خلالها لحرب إبادة مع أهداف صهيونية بتهجيرهم كلياً من قطاع غزة.
قصف مدفعي وجوّي، واقتحام وغزوٌ عسكريّ برّي، مجازر واسعة وتدمير شامل للأحياء والمباني السكنية، وللمستشفيات والمدارس والمرافق العامة وكل مظاهر الحياة، وحصار اقتصادي قاسٍ وخانق أدى إلى مجاعة عامة، قدّم الفلسطينيون ومقاومتهم خلالها قرابة 70 ألف شهيد، رغم ذلك، لم تتحقق الأهداف «الإسرائيلية»، فلا هجّر الفلسطينيون، ولا نزع السلاح، ولم تختف المقاومة، ولم يجرِ تسليم الأسرى «الإسرائيليين» وجثامينهم إلا بـ «موافقة فلسطينية» في لحظة سياسية محددة لم تؤدِّ إلّا إلى إضعاف الموقف «الإسرائيلي» نفسه سياسياً، إقليمياً ودولياً.
تلا ذلك وقفٌ لإطلاق النار، لم تلتزم به «إسرائيل» يوماً، ولم تلتزم ببنود اتفاق المرحلة الأولى، حيث استمرت بخروقاتها وتوغلاتها في القطاع وإنْ بوتيرة أقلَّ من السابق، ثم تقلصت أكثر مع إنشاء وإعلان ما سمِّي بـ «مجلس السلام».. ومن بداهة القول، إنّ المقاومة التي لم تقدم أية تنازلات في ذروة حرب الإبادة على القطاع بكل جحيمه، مِن المستَبعد أن تُقدِّمَها كما يجري ادّعاؤه الآن خلال فترة هادئة نسبياً في القطاع بالمقارنة مع السابق، وبعد هزائم متتالية للصهيوني في جبهات عدة أخرى خلال الفترات السابقة.


مسودّة اتفاق مجلس السلام


ربما من المفيد التذكير أولاً أن من أكبر وأبرز اعتراضات «إسرائيل» على «مجلس السلام» الذي أنشأه ترامب في لحظة سياسية محددة بعد فشل كل مساعي التهجير، هو وجود كلّ من تركيا وقطر فيه، بطريقة أو بأخرى، بما فيه
دورهم الرقابي على تنفيذ ما يجري التوصل اليه، بل وضمناً احتمالية نشر قوات دولية مشتركة وفقاً لمشروع المجلس، في مقابل غياب أي وجود «إسرائيلي» في القطاع، وهذه النقطة وإن تبدو بعيدة وشكلية، إلا أنها بالضبط محور الصراع الإقليمي بين «إسرائيل» ودول المنطقة في قطاع غزة بوصفه جزءاً وساحة من صراع عام وشامل قائم، يسعى ترامب خلاله لـ «إدارة» هذا الأمر بأقل الخسائر، وذلك فضلاً عن نقاط وتفاصيل أخرى أكدت «إسرائيل» مراراً اعتراضها عليها في «مجلس السلام».
لتأتي مسودة الاتفاق الأخير من 15 نقطة لتتضمن، وقبل كل شيء بنقطتها الأولى: «ضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة [...] وتيسير إطلاق مسار سياسي موثوق يؤمِّن حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية».
فيما أشارت نقطة ثانية إلى ضرورة أن «تكمل [إسرائيل] جميع الالتزامات المتبقية بموجب مذكرة شرم الشيخ بشكل كامل ودون تأخير، وتحديداً وقف العمليات العسكرية».
أما النقطة الثالثة فقالت بأن «الانتقال من مرحلة إلى أخرى مشروط بإتمام التزامات المرحلة السابقة بشكل موثق، وستقوم لجنة التحقق الدولية بالتحقق من ذلك، بمراقبة أية انتهاكات».
بينما أشارت النقطة السادسة إلى أن غزّة «ستحكم وفق مبدأ (سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد)».

أما موضوعة السلاح، فجاءت في النقطة السابقة على النحو التالي «تبدأ عملية حصر وتخزين الأسلحة الثقيلة، ومواقع الإنتاج العسكري، ومستودعات الأسلحة، والإنفاق، بعد استكمال الالتزامات المتبقية بموجب بروتوكول شرم الشيخ، ودخول اللجنة الوطنية، ونشر قوة الاستقرار الدولية، وستتولى اللجنة الوطنية إدارة هذه العملية وتنفيذها بشكل تدريجي ومتسلسل [...] وترتبط هذه العملية بانسحاب (إسرائيلي) تدريجي من المناطق التي تسيطر عليها في غزة [...] ولن يتم نقل أي أسلحة أو تسليمها إلى (إسرائيل) أو أي جهات غير فلسطينية [...] تتولى اللجنة الوطنية وحدها الاحتفاظ بالأسلحة في غزة وتخزينها والسيطرة عليها».
وجاء في النقطة الثامنة: «يتم جمع الأسلحة وتخزينها تحت إشراف اللجنة الوطنية [...] تتولى لجنة التحقق الدولية مسؤولية التحقق من إتمام ذلك».
وقد نشرت حركة المقاومة بياناً لها أكدت أن الموافقة على إدراج ملف «السلاح الثقيل» في إطار مسودة الاتفاق قد ارتبطت واشترطت بوقف جميع أشكال العدوان والانسحاب من قطاع غزة، وانتشار قوات الحماية الدولية، وضمان حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
في المقابل، سرعان ما برزت اعتراضات سياسية من الداخل «الإسرائيلي» على مسودة الاتفاق السابقة وبنودها بكل ما تحتويه، وتحديداً ما يتعلق بالسلاح، وبالقوة الدولية، وبتحييد «إسرائيل» كلياً عن أي وجود أو تدخُّل في القطاع وإدارته وغيرها.


ماذا يعني عملياً؟


أولاً، مسودة الاتفاق هذه جاءت بنتيجة مفاوضات طويلة أمريكية، تركية، قطرية، مصرية، بالدرجة الأولى داخل «مجلس السلام» ذاته، وفرضت نفسها على «إسرائيل» وبقبول أمريكي على مضض بعد ضربة إقليمية قاسية تعرض لها الوجود الأمريكي في المنطقة خلال الحرب على إيران ونتائجها حتى الآن، بالتوازي مع صعود واضح لتيار معادٍ لـ «إسرائيل» في الداخل الأمريكي نفسه، فضلاً عن السقوط السياسي «الإسرائيلي» دولياً منذ 7 أكتوبر وحتى الآن.
ثانياً، تستند مسودة الاتفاق، وتنفيذها أساساً، إلى استكمال مجريات المرحلة الأولى من اتفاق غزة، والذي يتضمن بشكل واضح وقف كل العمليات العسكرية «الإسرائيلية» والانسحاب من قطاع غزة، وعودة سكّان القطاع إلى مناطقهم في وسطه وشماله.
ثالثاً، يثبّت الاتفاق بما لا يحتمل التأويل، موضوعة حق تقرير المصير ومسار إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
رابعاً، تستند موضوعة تسليم «السلاح الثقيل» على كل ما سبق، وهي مشروطة عملياً وأولاً، بوقف العمليات العسكرية والانسحاب «الإسرائيلي» من القطاع.
من الناحية السياسية، هذه النقاط والمفردات تعني ضربة وهزيمة لـ «إسرائيل» نفسها، وإذا ما عدنا للمقارنة ما بين هذه البنود وظروف ما قبل 7 أكتوبر، فإن الفلسطينيين انتزعوا اعترافاً أمريكياً وبإجراء عملي، نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وعوضاً عن «نزع سلاح القطاع» كاملاً كما هَدَفَ «الإسرائيليون»، فإنه بات مشرّعاً وبرقابة دولية تحتوي وزناً أكبر للقوى الإقليمية في المنطقة، وتحديداً تركيا ومصر.
من الناحية العملية، فإن ما لم تلتزم به «إسرائيل» سابقاً ضمن ظرف أنسب وأفضل لها، لن تلتزم به الآن بطبيعة الحال، فضلاً عن التأثيرات السياسية الداخلية التي قد تنشأ ومن بينها انهيار تحالف رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو مع القوى اليمينية المتطرفة، والذي إن جرى، سيعني على الفور سجناً لنتنياهو، وبالتالي فإنه محكوم بإفشال أية تسويات حتى اللحظة الأخيرة.


مناورة «ثقيلة»


ما سبق هو بالضبط ما تدركه المقاومة الفلسطينية بطبيعة الحال، ومعها القوى الإقليمية المناهضة للصهيوني، لتأتي في هذا السياق موضوعة تسليم «السلاح الثقيل» كمناورة سياسية من العيار «الثقيل» أكثر منها إجراء عملي، تلقي الكرة في ملعب «إسرائيل» لتتقاتل بها داخل برلمانها بما يعظم أزمتها السياسية من جهة، وتضع الأمريكي أمام مسؤولياته واستحقاقاته بضمان التزام «إسرائيل» من جهة أخرى، بما يعني بدوره أيضاً، صراع أعلى داخل الولايات المتحدة بين اللوبي الصهيوني ومناهضيه الصاعدين هناك.
وبين هذه وتلك، التزمت المقاومة الفلسطينية في غزة بكل ما عليها سياسياً منذ اللحظة الأولى وحتى الآن، أمام شعبها أولاً، وقوى المقاومة الأخرى، وأمام القوى الإقليمية، والدولية، وأبدت مرونة عالية على طول الطريق وصولاً إلى هذه اللحظة... وعدم التزام «إسرائيل» المقبل بعد كل ذلك، سيعطيها، «نظرياً»، كل «شرعية» محلية وإقليمية ودولية مستقبلاً للقيام بالعشرات من 7 أكتوبر جديدة، فضلاً عن شرعية طوفان 7 أكتوبر الأصل نفسه، وبحال التزمت «إسرائيل» فإن النتائج «السياسية» للقطاع رغم هول الدمار والتضحيات، أعلى وأفضل مما كانت عليه قبل 7 أكتوبر.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1289