Skip to main content

التهرب التأميني في سورية: الرقابة وحدها لا تكفي...

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

تكشف الأرقام التي أعلنتها المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عن مشكلة تتجاوز حدود المخالفات الإدارية، إذ تشير إلى أن نسبة التهرب التأميني في منشآت القطاع الخاص، المسجلة وغير المسجلة سابقاً، تجاوزت 40%، مع حديث عن انخفاضها حالياً.

وإذا صحت هذه المؤشرات، واستندت إلى بيانات قابلة للتحقق، فهي تعكس خللاً في العلاقة بين أصحاب العمل والنظام التأميني، وتطرح سؤالاً أساسياً:
لماذا يجد بعض أصحاب العمل في عدم تسجيل العمال خياراً أقل كلفة من الالتزام بالقانون؟
لا شك أن تشديد التفتيش، وملاحقة المنشآت المخالفة ضرورة لحماية حقوق العمال والموارد التأمينية، فالعامل غير المسجل لا يخسر اشتراكاً ورقماً في السجلات فحسب، بل قد يجد نفسه بلا حماية كافية عند إصابة العمل، أو المرض، أو الشيخوخة، أو فقدان الدخل، كما أن التهرب يخل بمبدأ المنافسة العادلة، لأن المنشأة الملتزمة تتحمل أعباء لا تتحملها المنشأة التي تتجنب التسجيل والتسديد، ومن هذه الزاوية، فإن الانتقال إلى التفتيش المبني على البيانات والربط الشبكي خطوة إيجابية، إذا اقترنت بدقة المعلومات وضمانات التحقق، وحق المنشأة في الاعتراض.
لكن اختزال المشكلة في ضعف الرقابة، أو في سلوك أصحاب العمل وحدهم لا يقدم معالجة مكتملة، فالتهرب قد يرتبط أيضاً بارتفاع كلفة الاشتراكات قياساً إلى الأجور وحجم النشاط، وبضعف السيولة، وتقلب الأعمال، وتعقيد الإجراءات، وتأخر تسوية الملفات، فضلاً عن انتشار العمل غير المنظم، وهذه العوامل لا تبرر مخالفة القانون، أو حرمان العامل من حقه، لكنها تفسر بعض دوافعها، وتساعد على تصميم سياسات أكثر فاعلية من الاكتفاء بالغرامات.
كذلك لا تكفي الإشارة إلى انخفاض نسبة التهرب لإثبات نجاح السياسة المتبعة. المطلوب نشر منهجية احتساب النسبة، والفترة الزمنية التي تقارن بها، وعدد المنشآت والعمال المشمولين، والتمييز بين اكتشاف المخالفة وتسويتها فعلياً. فزيادة الضبوط قد تعني تحسناً في الكشف، لا بالضرورة تراجعاً في التهرب، كما أن تسجيل المنشأة لا يضمن تسجيل جميع عمالها، أو التصريح بأجورهم الحقيقية. لذلك ينبغي أن تقاس النتائج بعدد العمال الذين دخلوا فعلياً في التغطية، وانتظام الاشتراكات، واستمرار التسجيل، لا بعدد الجولات التفتيشية وحده.
أما مشروع تعديل قانون التأمينات الاجتماعية، فينبغي أن يكون فرصة لإعادة بناء التوازن بين حماية العامل واستدامة المؤسسة وقدرة المنشأة على الالتزام. ويقتضي ذلك مراجعة العقوبات لتكون متناسبة ومتدرجة، مع التمييز بين المخالفة المتعمدة والخطأ القابل للتصحيح، وتوفير آليات تقسيط وتسوية واضحة، وتبسيط التسجيل والدفع، وتوسيع قنوات الشكوى وحماية العامل الذي يبلغ عن عدم تسجيله. كما يجب ألا تتحول التسهيلات إلى إعفاءات تكافئ المتهربين، أو تنتقص من الحقوق المكتسبة.
وتتحمل الدولة مسؤولية موازية: تحديث قواعد البيانات، وتبادل المعلومات بضوابط تحمي الخصوصية، وتوفير خدمة إلكترونية تمكّن العامل من التحقق من تسجيله واشتراكاته. وينبغي نشر تقارير دورية عن التفتيش والتحصيل والتظلمات، كي تصبح الأرقام قابلة للتقييم. كما أن الحوار مع ممثلي العمال وأصحاب العمل ضروري قبل إقرار التعديلات؛ فالسياسة التي تصاغ من طرف واحد قد تبدو حازمة، لكنها تتعثر عند التطبيق.
إن نجاح الإصلاح لا يقاس بصرامة النصوص وحدها، بل بقدرة القانون على جعل الالتزام ممكناً ومجدياً، وجعل التهرب مكلفاً ومكشوفاً. فالتأمينات الاجتماعية ليست مورداً مالياً للمؤسسة فحسب، بل عقد حماية وتضامن بين العامل وصاحب العمل والدولة. وحين يشعر العامل بأن حقوقه مصونة، وصاحب العمل بأن الإجراءات عادلة ويمكن توقعها، تصبح الرقابة أداة لإنفاذ القانون، لا بديلاً عن إصلاح أسبابه.