العدالة المالية.. ليس كل العمال سواء في الأجر والإنصاف؟!
لا تختزل قضية العدالة المالية في المطالبة بزيادة الرواتب والأجور، فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير، وتتعلق بتفاوت الأجور والتعويضات بين القطاعات، بل وبين العاملين في القطاع الواحد، وأحياناً داخل المؤسسة نفسها، رغم تشابه المؤهلات واختلاف الأعباء والمسؤوليات، أو تماثل طبيعة العمل وظروفه.
فليس من العدالة أن يتقاضى عاملان أجوراً وتعويضات متفاوتة، بينما يؤديان العمل نفسه، في المكان ذاته، ويتحملان الأعباء والمسؤوليات والمخاطر نفسها، دون وجود مبررات موضوعية لهذا التفاوت. كما ليس من المقبول أن يبقى العامل الفني، أو الميداني الذي يتحمل مشقة العمل ومخاطره، في موقع متدنٍ من سلم التعويضات، بينما يحصل آخرون على امتيازات لا تتناسب بالضرورة مع حجم المسؤولية والجهد المبذول.
إن العدالة المالية تقتضي إعادة النظر بمنظومة الأجور والتعويضات برمتها، وليس الاكتفاء بزيادات عامة قد تبدو متساوية على الورق، لكنها لا تعالج الاختلالات القائمة. فالمطلوب معالجة الفوارق غير المبررة بين القطاعات والمؤسسات والاختصاصات، وتحقيق التوازن بين الأجر وطبيعة العمل والمؤهل والمسؤولية والإنتاجية.
ويبرز هنا ملف التعويضات والحوافز، ولا سيما تعويضات طبيعة العمل والاختصاص والمخاطر، التي ينبغي أن تستند إلى معايير واضحة ومنصفة، لا إلى اعتبارات إدارية، أو امتيازات مكتسبة لفئات دون غيرها. كما يجب إعادة النظر بالحوافز الإنتاجية وربطها بالجهد والنتائج الفعلية، وإنصاف المهن الفنية والميدانية التي تتحمل أعباء إضافية لا تنعكس على دخل أصحابها.
إن استمرار هذه الاختلالات دون معالجة يكرس الشعور بالغبن، ويضعف الحافز والإنتاجية، ويضرب الثقة بمبدأ تكافؤ الفرص.
المطلوب اليوم، ليس زيادة الأجور فحسب، بل إرساء نظام عادل للأجور والتعويضات، ينصف العامل على أساس عمله وجهده ومسؤوليته ومخاطره، لا على أساس موقعه الإداري، أو القطاع الذي يعمل فيه.
فالعدالة المالية ليست امتيازاً يطلبه العمال، بل حقّ وظيفي، ومبدأ أساسي، لا يمكن الحديث في غيابه، عن إصلاح إداري أو إنتاجي.