Skip to main content

المطالب العمالية بين تكرار الشكوى ومعركة التنفيذ...

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

التحدي الحقيقي أمام الحركة النقابية لم يعد في حصر المطالب، بل في امتلاك أدوات الضغط لانتزاع الحقوق. فلم تعد المشكلة في الواقع العمالي السوري تكمن في غياب المطالب، أو عدم وضوح المشكلات التي يعاني منها العمال، فخلال عامي 2025 و2026 تكررت في الاجتماعات والمؤتمرات النقابية عناوين تكاد تكون ثابتة: تحسين الأجور، وزيادة التعويضات والحوافز، وتطوير التأمين الصحي، وتثبيت العمال المؤقتين، وتسوية أوضاع المفصولين، وتأمين النقل والوجبة الغذائية واللباس العمالي، وتحسين شروط العمل والسلامة المهنية، وضمان الحقوق التأمينية.

هذه المطالب ليست جديدة، وبعضها يرافق الحركة النقابية منذ سنوات طويلة، فيما لا يزال العامل ينتظر حلولاً ملموسة لمشكلات تمس حياته اليومية وكرامته واستقراره الوظيفي. وهنا تبرز المفارقة التي تستحق الوقوف عندها: إذا كانت المشكلات معروفة، والمطالب محددة، والجهات المعنية واضحة، فلماذا تستمر إعادة طرح المطالب نفسها في كل اجتماع ومؤتمر، دون نتائج تتناسب مع حجم المعاناة؟
إن الخلل لا يكمن في طرح المطالب، بل في آليات التعامل معها ومتابعتها. فالاجتماع النقابي الذي ينتهي بتسجيل عشرات المطالب في محضر، دون تحديد المسؤول عن معالجتها، والمدة الزمنية المطلوبة والنتائج المنتظرة، لا يتجاوز عملياً حدود توصيف المشكلة، مهما كانت أهمية النقاشات والمداخلات.
التحدي الحقيقي أمام العمال والحركة النقابية هو: الانتقال من ثقافة تسجيل المطالب إلى ثقافة انتزاع الحقوق.
وهذا يتطلب تغييراً في أسلوب العمل النقابي، بحيث يتحول كل مطلب إلى ملف متكامل، مدعوم بالبيانات والأرقام والشواهد، يحدد عدد العمال المتضررين، وحجم الضرر، والجهة المسؤولة عن المعالجة، والحل المطلوب، والسقف الزمني للتنفيذ. كما يتطلب متابعة دورية معلنة، ومساءلة الجهات التي تتأخر في الاستجابة، وعدم السماح بترحيل الملفات من اجتماع إلى آخر، وكأن الزمن لا يحمل أي كلفة على العامل.
ومن المهم أيضاً، ألا تنحصر المطالب في تحسين الأجور والخدمات، على أهميتها، بل أن تمتد إلى الدفاع عن الاستقرار الوظيفي، وحماية العقود، وتسوية الحقوق التأمينية، وتطوير بيئة العمل، وتعزيز السلامة المهنية، وضمان العدالة في التعويضات والحوافز. فالحقوق العمالية منظومة متكاملة لا يمكن تجزئتها أو تأجيل بعضها إلى أجل غير معلوم.
أما الحركة النقابية، فهي اليوم أمام اختبار حقيقي لدورها التمثيلي والدفاعي. فالعامل لا يحتاج إلى من ينقل شكواه فقط، بل إلى تنظيم نقابي يتبنى قضيته، ويتابعها، ويفاوض بشأنها، ويستخدم الأدوات القانونية والنقابية المتاحة للضغط من أجل تحقيقها. كما أن قوة النقابة لا تقاس بعدد الاجتماعات والمؤتمرات والبيانات، وإنما بقدرتها على تحقيق مكاسب فعلية وتحسين حياة أعضائها.
ولعل الخطوة الأهم، تبدأ بإعداد سجل وطني أو قطاعي للمطالب العمالية، وتصنيفها إلى مطالب عاجلة ومتوسطة وبعيدة المدى، مع نشر تقارير دورية توضح ما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر.
فالعمال لا يريدون أن يسمعوا مطالبهم تتكرر على ألسنة ممثليهم في كل اجتماع، بل يريدون أن يروا نتائجها في رواتبهم وحقوقهم وخدماتهم وظروف عملهم.
لقد آن الأوان لأن تتحول المحاضر إلى برامج عمل، والمداخلات إلى مواقف نقابية، والمطالب إلى ملفات ضغط ومتابعة، وأن يصبح تنفيذ الحقوق معياراً حقيقياً لتقييم الأداء النقابي.
فالنقابة التي لا تستطيع تحويل وجع العمال إلى قوة ضغط منظمة، تفقد تدريجياً دورها الأساسي، أما النقابة التي تتبنى مطالب عمالها وتخوض معركتها حتى تحقيقها، فهي التي تستحق ثقتهم وتمثيلهم.
الحقوق لا تتحقق بتكرار المطالبة بها، بل بتنظيم الجهود والضغط المشروع والمثابرة حتى تصبح واقعاً ملموساً.