Skip to main content

عمال الحدادة في سورية.. أجسادٌ تحترق وحقوقٌ تصدأ

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

في محال الحدادة والورش الصغيرة والمعامل المتواضعة في سورية، يقف عمال خلف سندان الحديد ساعات طويلة، يواجهون النار والشرر والدخان والضجيج، ويصارعون يومياً ظروف عمل قاسية لا تشبه حجم الجهد الذي يبذلونه، ولا المخاطر التي يتعرضون لها. إنهم عمال يصنعون الأبواب والنوافذ والهياكل المعدنية، ويساهمون في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، لكنهم في المقابل لا يجدون من يحمي أجسادهم، أو ينصف حقوقهم.

تبدأ معاناة هؤلاء العمال من الأجور المتدنية التي لا تتناسب مع طبيعة المهنة الشاقة، ولا مع ساعات العمل الطويلة والجهد البدني الكبير. فأجور كثير منهم بالكاد تكفي لتأمين جزء من احتياجات أسرهم الأساسية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. والمفارقة، أن العامل الذي يتعامل يومياً مع الحديد الثقيل والحرارة المرتفعة والآلات الخطرة، لا يحصل بالضرورة على أجر يعوضه عن المخاطر التي يتحملها.
لكن الأجر المتدني ليس سوى وجه واحد من المأساة. فداخل كثير من الورش، تتحول شروط السلامة المهنية إلى ترف غائب؛ أقنعة لحام غير متوفرة، أو غير صالحة، ونظارات واقية غائبة، وقفازات وأحذية غير مناسبة، وتهوية ضعيفة تسمح بتراكم الأبخرة والغبار. أما مخاطر الحروق وإصابات العين وبتر الأصابع والكسور، فتبقى احتمالاً ملازماً لكل يوم عمل، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تأمين صحي، أو تعويض يضمن للعامل حياة كريمة إذا عجز عن مواصلة مهنته.
وتزداد قسوة الواقع مع غياب العقود الواضحة وضعف الحماية الاجتماعية، إذ يعمل كثيرون في ظروف غير مستقرة، من دون ضمانات حقيقية تحميهم عند المرض، أو الإصابة، أو فقدان العمل. وهنا يصبح العامل أمام معادلة ظالمة: إما أن يقبل بالمخاطر والأجور المحدودة، أو يخسر مصدر رزقه الوحيد.
والأكثر إيلاماً، أن بعض العمال يضطرون إلى مواصلة العمل رغم الإصابات والإرهاق، لأن التوقف يعني انقطاع الدخل، فيما لا تسمح أوضاعهم المادية بتحمل تكاليف العلاج والراحة.
إن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن الحديث عن كرامة العمل والإنتاج، بينما يُترك العامل الذي يصنع بيديه منتجات يحتاجها المجتمع مكشوفاً أمام مخاطر مهنته؟ وأين دور الجهات المعنية في مراقبة الورش، وفرض شروط السلامة، وضمان الحقوق والأجور والتأمينات؟
إن عمال الحدادة لا يطلبون امتيازات استثنائية، بل حقوقاً أساسية: أجراً عادلاً، وبيئة عمل آمنة، ومعدات حماية، وتأميناً يضمن ألا تتحول إصابة العمل إلى حكم بالفقر والعجز.
فليس مقبولاً أن يبقى الحديد محمياً من الصدأ، بينما يظل العامل الذي يشكّله محروماً من أبسط أشكال الحماية والإنصاف.