الحماية الاجتماعية: أين الدولة من العمال؟
ليست الحماية الاجتماعية امتيازاً تمنحه الدولة للعامل متى سمحت الظروف، ولا مساعدةً موسميةً تُقدَّم عند اشتداد الأزمات، إنها حق يرتبط بكرامة الإنسان، وبالتزام الدولة تجاه من يساهمون بعملهم في إنتاج الثروة واستمرار المجتمع، ومع ذلك، يجد العامل نفسه، في كثير من الأحيان، وحيداً أمام المرض والبطالة وإصابة العمل والشيخوخة وارتفاع تكاليف المعيشة، وكأن المخاطر التي تواجهه شأن شخصي لا مسؤولية عامة.
تبدأ المشكلة من الفجوة بين النصوص القانونية والواقع، فوجود قوانين تنظم علاقات العمل والتأمينات الاجتماعية لا يكفي وحده لضمان الحماية، ما لم تتحول الحقوق المكتوبة إلى خدمات وتعويضات قابلة للوصول، وإجراءات واضحة، ورقابة فعالة. وقد وفرت التشريعات السورية، ومنها: قانون العمل رقم 17 لعام 2010 وقوانين التأمينات الاجتماعية، أطراً لتنظيم جوانب من علاقة العمل والحماية التأمينية؛ لكن السؤال العملي يبقى: كم عاملاً يستطيع فعلاً الاستفادة من هذه الأطر، وبأي مستوى من الكفاية والسرعة؟
تتسع الفجوة حين تتراجع الأجور عن مواكبة الأسعار، فتتحول الحماية من شبكة أمان إلى عنوان نظري، فالأجر الذي لا يغطي الاحتياجات الأساسية لا يحمي العامل من الفقر، والتعويض الذي تتآكل قيمته لا يؤدي وظيفته، والتأمين الصحي المحدود لا يمنع الأسرة من استنزاف مدخراتها عند المرض، ولا يجوز اختزال الحماية الاجتماعية في راتب أو معاش تقاعدي؛ فهي منظومة متكاملة تشمل الرعاية الصحية، والتعويض عن إصابات العمل، ودعم العاطلين عن العمل، وحماية الأمومة، وتأمين الشيخوخة والعجز، وضمان حد أدنى من الدخل عند الطوارئ.
وتظهر مسؤولية الدولة بوضوح في سوق العمل غير المنظم. فالعامل الذي يعمل بلا عقد موثق، أو تسجيل تأميني قد يقضي سنوات في الإنتاج دون أن يراكم حقاً تقاعدياً، ثم يكتشف عند المرض أو الإصابة أنه خارج مظلة الحماية، معالجة ذلك لا تكون بتوجيه اللوم إلى العامل، بل بتبسيط التسجيل، وتوسيع التفتيش، وملاحقة التهرب التأميني، وتوفير حوافز للمنشآت الصغيرة كي تدخل الاقتصاد المنظم، مع ضمان ألا تتحول كلفة الامتثال إلى سبب إضافي لإقصاء العمال.
ولا تكتمل الحماية دون مؤسسات تمثيلية قادرة على الدفاع عن المصالح العمالية، فالنقابات ليست واجهات إدارية، أو قنوات لنقل الشكاوى فحسب، يفترض أن تكون شريكاً في الحوار الاجتماعي، وأن تفاوض على الأجور وشروط العمل والسلامة المهنية، وأن تراقب تنفيذ الاتفاقات، كما ينبغي إشراك العمال وأصحاب العمل في تصميم السياسات، لأن القرارات التي تُتخذ بعيداً عن مواقع الإنتاج قد تغفل تفاصيل الواقع، وتنتج حلولاً لا تصل إلى المستفيدين.
تحتاج الحماية الفعلية إلى تمويل مستدام وإدارة شفافة، وهذا يقتضي مراجعة دورية لقيمة المنافع والتعويضات، وربطها بمؤشرات المعيشة، وتوسيع قاعدة الاشتراكات بصورة عادلة، ومكافحة الهدر والفساد، ونشر بيانات دورية عن التغطية والإنفاق والشكاوى. كما أن دعم النقل والسكن والخدمات الأساسية يمكن أن يخفف الأعباء عن الأجور، شرط أن يكون موجهاً وشفافاً وألا يحل محل تحسين الدخل.
السؤال، إذاً، ليس ما إذا كانت الدولة قد أصدرت قانوناً أو أنشأت مؤسسة، بل ما إذا كان العامل يشعر بالحماية حين يفقد عمله، أو يمرض، أو يصاب، أو يبلغ سن التقاعد. فالدولة تقاس أيضاً بقدرتها على منع السقوط الاجتماعي، لا بمجرد إدارة نتائجه. والحماية الاجتماعية ليست عبئاً على الاقتصاد؛ إنها استثمار في الاستقرار والإنتاجية والثقة. ودونها يبقى العامل مطالباً ببناء الاقتصاد، فيما يُترك وحده لتحمل كلفته ومخاطره، وتبدأ الخطوة الأولى بالاعتراف بأن كرامة العامل معيار لنجاح السياسات العامة وعدالتها واستدامتها.