Skip to main content

هل يستمر قطاع الكهرباء بمعزل عن قواه البشرية؟

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

يكشف الجدول المالي لرواتب عمال طوارئ الكهرباء في ريف دمشق، الذي حصلت قاسيون على نسخة منه، عن مجموع اقتطاعات شهرية تبلغ 3514 ليرة جديدة، ما بين تأمين اجتماعي، ونقابة، وصناديق تعاونية وتعويضات ومساعدة اجتماعية، ليتبقى من الراتب 18037 ليرة (127 دولار).

وعند مقارنة تعويض مخاطر العمل، البالغ 622 ليرة – أي ما يعادل نحو 17.7% من مجموع الاقتطاعات المذكورة – بحجم المخاطر الفعلية وتكاليف المعيشة، يتضح جليّاً: أن الأجر لم يعد يفي بمتطلبات إعادة إنتاج قوة العمل، لا للعامل ولا لأسرته.
والأسوأ من تراجع الأجر النقدي، هو ظاهرة التخلص من كُلفة أدوات العمل وإعادة تجديدها؛ حيث يضطر العامل إلى تحمل جزء من أعباء العمل اليومية على حسابه الخاص، عبر شراء عدّته الخاصة، وتأمين تنقله بوسائل بديلة كالدراجات الكهربائية، نتيجة غياب آليات المؤسسة. هذا التحويل الخفي للتكاليف من المؤسسة إلى العامل يحوله تدريجياً من «عامل» ينتفع بعمله إلى «ممول» لاستمرارية الخدمة.
وتُعاني أقسام الطوارئ من نقص حاد في الآليات والرافعات ومستلزمات الصيانة الأساسية ومعدات الأمن الصناعي. فعلى سبيل المثال: يوجد في جرمانا آلية واحدة فقط، وكذا الأمر في المليحة والدخانية (هذا إن كانت تعمل!).
ويعني هذا النقص، أن المؤسسة تعوّض تدهور الشبكات والتجهيزات بالاستنزاف المكثّف للعمال. فبدلاً من تدخل الآليات والفرق المجهزة، نجد العامل يركض بوسائل بسيطة ليصلح الأعطال المتراكمة. أي؛ إنه كلما تدهورت الشبكات، زاد الاعتماد على الجهد البشري الفردي، وكلما زاد هذا الاعتماد في بيئة خالية من أدوات الحماية والسلامة، تآكلت شروط السلامة المهنية، وتعرضت حياة العمال لأخطار جسيمة.
وحوادث، مثل: السقوط، والتعرض للصعق الكهربائي، والعمل في ظروف جوية صعبة، في ظل غياب معدات الحماية وتعويض مخاطر هزيل، هي كلها مؤشرات أن العامل يحمل المخاطرة وحده، وأسرته تدفع كلفة الحادث المحتمل، بينما التعويض «الرمزي» لا يعادل خطراً حقيقياً. لا سيما وأنهم يعملون على مدار الساعة، وطوال أيام السنة بما فيها الأعياد والعطل.
إن واقع عمال طوارئ الكهرباء لا يعبر عن مجرد أزمة إدارية، أو «رواتب هزيلة» وحسب؛ فهو يمثل حقيقةً أزمة هيكلية في كيفية التعامل مع العنصر البشري في القطاعات الخدمية الحيوية. إن استمرار تقديم الخدمة في ظل هذه الظروف لا يعود إلى كفاءة النظام، بل إلى التضحية القسرية والاستنزاف المنظّم لقوة العمل.
ولذا، فإن أي مقاربة جادة لمعالجة هذا الخلل يجب أن تقوم على أسس واضحة، تبدأ برفع الأجر الحقيقي ليتناسب مع الوضع المعيشي، وتوفير المعدات والآليات اللازمة، وضمان الحماية المهنية وتعويضات مخاطر عادلة.